13 - لم أنتَهِ بعد إلى جوابِ السؤال الذي بدأت به الفقرة العاشرة: كيف نشأ الخلافُ، ولِمَ، بينى وبين هذه " المناهج الأدبية " السائدة؟ ولا يأتيك الجوابُ صريحاً بيّنا أميناً، إلاّ بَعْدَ أن أقُص عليك قِصَّةَ تاريخ طويلٍ سوف أختصره لك اختصاراً مُوجَزًا أشدَّ الِإيجاز ما استطعتُ. وذلكَ لأن هذا الفَسادَ لم يدخل على ثقافتنا دخولاً يوشِك أنْ يَطْمِسَ مَعَالمها ويطفيء أنوارهَا، إلاّ بعد التصادمِ الصامتِ المخيفِ الذى حَدَث بيننا وبين الثقافة الأوربيّة الحاضرةِ. وإذا نحن أغفلنا هذا التاريخ ولم نتبينه تبيّناً واضحاً، فكأننا أغفلنا القضية كلَها، وأسقطناهَا إسقَاطاً من عقولنا، وخالفنا سنَّة العُقَلاءِ المميزين فى التبصُّرِ والتَّبَيّنِ وتَرْكِ التساهلِ عند مَوَاطن الخَطَر، وصار كلامنا فى " الثقافة " سُدى كلّه وهَدَراً، ثمً عبثاً وثرثرةً وتغريراً، كما هو حادث الآن في حياتِنا الأدبيةِ هذه الفاسدةِ، وصار الأمر كله جبناً عن طلب الحق، واستنامةً لخداع الباطِل وتسويلِه الخفي، واستدراجه إيانَا إلى سراب مهلك.
هم، أعني الأوربيين، يرون أنَ أوربِّة سقطت فى حمأة " القرون الوسطى " المظلمة، مند سقوط الإمبراطورية الرومانية سنة 476، أى قبل الهجرة بنحو مئة وخمسين سنة، والحقيقة أنّ أوربة التي هى قلبُ القارّة، كانت ساقطةً فيما هو أسوأ من " القرون الوسطى " قبل ذلك بقرون طويلة. كانوا فى جاهليةٍ جهلاءَ، أهلها هَمَج هامج، لا دِينَ يجمعهم، حتى جاء " عصر النهضة " فى القرن السادسَ عشر الميلادي (1600 م)، أى بعد عشرة قرون. وفى خِلال هذه الفترة حدث أمرانِ مهِمّانِ، إغفال النظر إليهما من قِبَلِنا نحن، يُضِرّ بتصوُّرِنا للحقيقةِ التي ينبغى ان يعرفَها صغيرنا وكبيرنا، ورجَالنا ونساؤنا، على وجهها الصحيح، لا على الوجْه الذى عُلِّمنَاة فى المدارس صغاراً بل لا نوال نُعلِمُه أولادنا وكان من أهم أسباب فساد حياتنا الأدبية