وقد كان أبو ذر - رضي الله عنه - يتشرف بأنه باقٍ على العهد الأول، لم يحد عن الطريق الذي خطه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمنة ولا يسرة، فهو كما قال الشاعر:
تزول الجبال الراسيات وإنه ... على العهد لا يلوي ولا يتغيَّر
فكان - رضي الله عنه - يقول: إني لأقربكم مجلسًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة؛ وذلك أني سمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها». وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث منها بشيءٍ غيري (1)!!
ورآه يومًا عطاء بن أبي مروان في نمرةٍ (2) مؤتزرًا بها قائمًا يصلي فقال له: يا أبا ذر أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي، فقال عطاء: فإني رأيت عليك منذ أيام ثوبين، فقال: يا ابن أخي أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني، فقال عطاء: والله إنك لمحتاج إليهما، فقال أبو ذر: اللهم غفرًا ... إنك لمعظِّم للدنيا، أليس ترى عليَّ هذه البردة ولي أخرى للمسجد، ولي
(1) أخرجه ابن سعد (4/ 229) وأحمد في المسند (5/ 165)، وفي الزهد (ص 214) وإسناده ضعيف. انظر السير (2/ 72) هامش رقم (2).
(2) النمرة: بردة من صوف تلبسها الأعراب. مختار الصحاح مادة (ن. م. ر).