فكيف يجوز أن يكون خالقا لكفر الكافرين ، وعصيان العاصين ، وفيه من التفاوت غير قليل .
فالجواب : أن هذا سوء فهم ، وذلك أن هذا أراد به سبحانه وتعالى خلق السموات في الصورة ، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق ، أجمع المفسرون على ذلك ، فلا حجة لكم فيها ، ثم إن أول الآية حجة عليكم ، لأنه قال : ' خلق الموت والحياة ' وبين الموت والحياة تفاوت ، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره ، فكذلك كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق ، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم .
فإن احتجوا بقوله تعالى : ' فوكزه موسى فقضى عليه ، قال هذا من عمل الشيطان ' فلو كان الله الخالق لوكزة موسى لقال : هذا من عمل الرحمن ، الجواب من وجهين : أحدهما : أن قول موسى هذا القول على وجه الأدب ، أي : إني ارتكب ما نهيت عنه من شره النفس ووسوسة الشيطان ، ألا تراه قال في ضلال السبعين من قومه لما لم يكن له في ذلك كسب : ' إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ' فيجب على العبد عند خطئه وذنبه أن يرد اللوم والتقصير إلى نفسه وإلى وسوسة الشيطان ، ولا يرد ذلك إلى خلق الله تعالى وإرادته ، لأنه يصير كالمحتج عليه تعالى ، وليس لأحد عليه حجة : ' قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ' . ومثل هذا قول أبيه