الله ' وفي القرآن أكثر من ألف موضع يدل على الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ، لمن له حس سالم ، وعقل ثابت . ومن القدر الذي قدمناه دليلان : أحدهما : أنه تعالى ذكر تلاوة ، ومتلوا ، وقراءة ، ومقروءا ، فبطل بذلك زعمهم أنه شيء واحد .
الثاني : أنه أمر بالقراءة والتلاوة ، والأمر هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه . والصفة القديمة التي هي المقروء ، والمتلو لا يصح فيه الفعل ولا استدعاء الفعل ، فصح أن المأمور به استدعى غير المقروء ، والمتلو هي القراءة والتلاوة . فافهم هذا التقرير فإنه يوجب الفرق بين الأمرين ، ضرورة الإشكال فيه . ثم نقول لهم : القراءة قد اختلفت وتنوعت أنواعا ، أفتقولون إن المقروء الذي هو القرآن مختلف متنوع ؟ فإن قالوا : نعم كفروا ، وإن قالوا : لا فقد ثبت أن الذي جاز عليه الاختلاف والتنوع غير الذي لم يجز عليه ذلك ، وأيضا فإن كل قراءة منسوبة إلى قارئها ، فيقال هذه قراءة أبي ، وهذه قراءة ابن مسعود ، وكذلك في سائر القراءات ، ولا يجوز أن ينسب المقروء الذي هو القرآن إلى أحد من الخلق ، فيقال هذا قرآن أبي ولا قرآن ابن مسعود ، فصح أن القراءة فعل القارئ ، فصح أن تنسب قراءة كل واحد إليه ، لأنها فعله الذي يثاب ويمدح عليها تارة ويعاقب ويندم عليها أخرى ، والمقروء بسائر القراءات كلام الله تعالى الذي ليس بفعل لأحد ، فصح الفرق بين الأمرين .