فأما (أن) في البيت فموضعه نص ب بفعل مضمر يدل عليه قوله:
فإن قومي لم تأكلهم الضب ع
ويفسره، ولا يجوز أن يحكم على موضعه بالنصب ب(لم تأكلهم الضبع)،
فيكون التقدير: إن قومي لم تأكلهم الضبع لئن كنت ذا نفر، لأنهذا الفعل بعد
(إن) و(أن) قبلها، وما قبل (إن) لا يعمل فيه ما بعدها،، فإذن لم يج ز انتصابه ذا،
وكان لابد له من متعلق، فالذي يتعلق به فع ل مضمر هو بقي ت، أو سلم ت ، أو نحو
ذلك مما يدل عليه قوله:
فإنقومي لم تأكلهم الضبع
فأما ما ذكره أبو العباس في (الرد)( 1) من أنه لا يرى وقوع الفعل بعد (أن)
هذه ممتنعا،وأنه جائز عنده في القياس، فكالمغالطة
ألا ترى: أنه قد يجوز في القياس أشياء كثيرة لا يجيء به الاستعمال، فإذا لم
(/)
يستعمل له ترك، وإن أجازه القياس، فلا يستعمل في الكلام: وذ ر، ولا ود ع، ولا ما
أشبه ذلك لامتناعه في الاستعمال، وإن أجازه القياس، وكذلك إظهار الفعل في هذا
الموضع لا يجوز لشذوذه عن الاستعمال، وإن أجازه القياس
وهذه العلل إنما تستخرج وتوضع بعد سماع الشيء واطراده في الاستعمال
ليوصل إلى النطق بالشيء على حسب ما نطق به أهل اللغة، فإذا أدى إلى خلافه
ألا ترى: أنالغرض في استخراج هذا القياس إنما هو أن يتكلم غير العربي الفصيح
بلزومه إياه، واستعماله له كما يتكلم العربي الفصيح، فإذا أدى إلى خلاف كلام
العرب كان فاسدا، وخلاف ما قصد به له، ألا ترى: أنه لما استت ب في كلامهم
ارتفا ع الاسم في إسنادهم الفعل إليه مقدما، قلنا: الفاعل رفع، ولو لم يتق دم
1) هو كتاب (الغلط))
114 المسائل المشكلة
استعمالهم له كذلك، ثمد وناه أو علمناه لم ننتفع ذا القول، ولم يكن له وجه، ولا
فيه فائدة، فعلى هذا وض ع هذه القياسات، ثم إن شذبع د ع ما عليه الكثرة وجار
عليه الجمهرة والجملة شيء، أخبر به، ونبه عليه، وأ علم أنحكمه أن يحفظ، ولا
يحمل على ما عليه الأكثر لمخالفته في السمع ما عليه الأشيع، فيكون القياس حينئذ
بذلك موصولا إلى النطق كما نطق، أهل اللغة، هذا فيما استمر استعماله واطرد استماعه
فأما إذا لم يسمع الشيء إلاعلى بنية، ولم يحفظ إلا على هيئة، فلا معدل عنه
إلى ما سواه، ولا مجاوزة فيه إلى ما عداه مما لم يسمع منهم ولم نحفظ عنهم، فعلى
هذا يجري القياس النحوي وحكمه
ثم نرجع إلى المسألة فنقول:
(/)
________________________________________
إنموضع (أن) في: أما أنت منطلقا، ونحوه نص ب بالفعل الذي ذكرنا، و(ما)
هذه هي الزائدة، وليست (أما) هذه بجزاء، قال سيبويه: سألته -يعني الخليل- عن
قوله: أما أنت منطلقا أنطلق معك، فرف ع، وهو قول أبي عمرو، وحدثنا به يونس،
يريد أنه رفع (أنطل ق)، ولم يجزمه على أنه جزاء
وحكى أبو عمر الجرمي عن الأصمعي فيما أظن اازاة ب(أما) المفتوحة
الهمزة، وزعم أنه لم يحكه غيره، وهذا الذي حكاه أبو عمر تقوية للبيت الذي
ذكرناه وهو:
فإن قلت: يكون متعلقا بفعل مضمر يفسره ما بعده، كما ق دمت في أول الفصل
فالجواب: ما يكون تفسيرا لا يعطف به علي المفسر ألا ترى: أنك تقول: إن
زيدا ضربته، ولا يجوز إنزيدا فضربته، فإذا لم يج ز عطف المف سر على المف سر، كانت
الفاء في قوله: (فإنقومي) جواب شرط، و(أما) جزاء، و(أنت) مرتف ع بفعل
مضمر، كما أن(خيرا) في قولهم: إن خير فخ ير، يرتفع بفعل مضمر، ولا موضع
ل(أما) من الإعراب على هذا التأويل، كما لا موضع ل(إن) الجزاء مبتدأه غير
متقدم عليها شيء
المسائل المشكلة 115
فإن قلت: فقد يكون الفاء حرفا زائدا، وقد حكى ذلك أبو الحسن الأخفش
أم يقولون: أخوك فوجد، يريدون: أخوك وجد، فيزيدون الفاء، فأحملها في البيت
على هذا، ليصب ح ما أق در من إضمار الفعل المفسر، ويكون غير معطوفعليه ما يفسره
فإنزيادة هذه الفاء قد حكاه أبو الحسن، ورواه أبو عثمان أيضا، ولم يحكه