هذا وقد سبقني إلى البحث في رسالة السلمي الأستاذ ريتشارد فون هارتمان
1
جعل غايته منه كما يقول: «دراسة الرسالة نفسها لا الملامتية ولا مذهبهم.» أما دراسته للرسالة فلم تتعد تلخيصها وترجمة أهم أجزائها إلى اللغة الألمانية، ومقارنة رواياتها وأسانيدها بعضها ببعض، واستخلاص بعض أسماء الرواة الذين رووا لفلان أو عن فلان، وذكر ترجمات قصيرة لبعض رجال الملامتية اعتمد فيها الكاتب - في أغلب الأحيان - على رسالة القشيري وحدها، أو عليها وعلى طبقات الصوفية للشعراني. وقد ذكر فون هارتمان كلمة موجزة عن منزلة مذهب الملامتية من تاريخ الأديان، كما عرض لتفنيد رأي الأستاذ جولد زيهر في أن مذهبهم متصل بمذهب الكلبيين اليونان. ولمقال فون هارتمان قيمته من حيث تحقيق الغرض الذي توخاه منه، ولكنه ليس أكثر من محاولة أولية محدودة درس فيها بعض نواحي رسالة السلمي دراسة سطحية على ضوء المراجع القليلة التي رجع إليها، تاركا الجزء الأكبر من الموضوع من غير أن يمسه: أعني مذهب الملامتية كما هو وارد في الرسالة وفي غيرها من كتب التصوف الأخرى، وتاريخ هذه الفرقة ونشأتها، والفرق بين تعاليمها وتعاليم الصوفية. وهذه هي المسائل التي جعلتها موضوع بحثي في القسم الأول من هذا الكتاب، وسأعرض فيه كذلك لما بين الملامتية والصوفية وأهل الفتوة من صلات.
القسم الأول
| مذهب الملامتية
نشأته التاريخية والصلة بين تعاليم الملامتية وتعاليم الصوفية وأهل الفتوة (1) معاني الملامة والفتوة والتصوف والصلة بينها
مضى نحو قرن من الزمان على ما كتبه العلامة «فون هامر» في المجلة الآسيوية
1
في موضوع الفتوة الإسلامية وصلتها بالفروسية الغربية، وأهمية دراسة الفتوة الإسلامية والحضارة الإسلامية عامة في فهم الفروسية المسيحية. وكان هذا أول ما كتب في الموضوع بطريقة علمية دقيقة. وكذلك ألقى العلامة «كاترمير» بعض الضوء على هذا الموضوع الغامض المتشعب الأنحاء في بعض تعليقاته على كتاب السلوك للمقريزي.
2
ولكن لم يظهر في الفتوة الإسلامية كتاب أو مقال ذو بال حتى نشر الدكتور «ثورننج»
3
سنة 1913 كتابه الجامع الذي ألم فيه بأطراف لم يعالجها من قبله واستند فيه إلى وثائق تاريخية هامة. وقد ظهرت مقالات أخرى قيمة في المجالات العلمية الألمانية لأمثال الأساتذة تشنر وفون هارتمان وشاخت؛
4
إلا أن هذا الموضوع الحيوي العظيم لم يلق بعد - لسوء الحظ - من العناية بدارسته دراسة مستفيضة ما هو جدير به. والحق أنه موضوع شاق عسير، أصعب ما فيه جمع مادته من بطون الكتب التاريخية والأدبية والصوفية وكتب الرحلات وغيرها، ولكن قيمته لا تقدر في تفسير كثير من النواحي الغامضة في التاريخ والأدب والتصوف والحياة الاجتماعية الإسلامية، وفي إيضاح العلاقات بين الجماعات التي خضعت لنظام الفتوة والتصوف وجماعات الفروسية المسيحية في القرون الوسطى.
ولست أقصد في هذا القسم إلى معالجة هذا الموضوع الواسع معالجة تفصيلية، ولا أن أعرض لمسألة نشأة نظام الفتوة في الإسلام أو في الأمم ذات الحضارة القديمة التي فتحها المسلمون، ولكني آمل أن أوضح - بقدر ما تسمح به النصوص التي بين يدي - نواحي الشبه وجهات الفرق بين المعاني الأساسية للتصوف والفتوة والملامة، وأحدد الصلة بينها منذ نشأة الملامتية الأوائل في القرن الثالث الهجري؛ وهي مسألة لم يمسسها - إلا من طريق عرضي - أحد ممن كتبوا في الفتوة أو في التصوف؛ فإنهم درسوا نظم الفتوة الإسلامية إما من ناحية صلتها بالفروسية المسيحية كما فعل فون هامر، أو من ناحية ما تمتاز به الفتوة من صفات عامة ثم ظهورها في صورة الفتوة الأرستوقراطية في عهد الخلفاء العباسيين، ثم انتشارها بين طبقات الشعوب الإسلامية الوسطى في ندوات أهل الحرف والصناعات كما فعل فون هامر وثورننج، أو من ناحية صلة الفتوة بالتصوف في كلمات عابرة قد تخلو أحيانا من دقة في التحليل كما فعل «هورتن».