تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

ولم يطرق أحد موضوع الصلة بين الفتوة والملامة إلا ريتشارد هارتمان في مقال خاص تحت عنوان «الفتوة والملامة»؛

6

ولكنه لم يعرض للموضوع الأساسي لمقالته إلا في الصفحتين الأخيرتين منها معتمدا على بعض فقرات وردت في رسالة الملامتية للسلمي ورسالة التصوف للقشيري.

ونحن لا نزال نشعر بالحاجة إلى مراجع أغزر مادة في هذا الموضوع، وإن كانت رسالة السلمي في الملامتية قد تلقي كثيرا من الضوء على الجزء الأخير من هذا البحث لو حللت بعض نصوصها وقورنت بنصوص أخرى كالتي وردت في رسالة القشيري، وفي فتوحات ابن عربي، وكشف المحجوب للهجويري، وعوارف المعارف للسهروردي؛ وهذا ما حاولت القيام به في هذا القسم من الكتاب.

أما الملامية - أو الملامتية على غير قياس - فيكاد ينحصر علمنا بهم فيما أورده السلمي في رسالته وما أورده كتاب الطبقات عن مشايخهم مما أخذوه عن السلمي. ولا نكاد نتبين في وضوح شخصية الملامتية ولا الفكرة الأساسية في مذهبهم خلال ما ورد من تعاليمهم في رسالة السلمي لأنها في جملتها مصبوغة بصبغة سلبية.

فالصفات التي يجب ألا يتصف بها الملامتي أكثر من الصفات التي ينبغي أن يكون عليها، والأفعال التي يطالب بتركها أهم من تلك التي يطالب بالقيام بها. والتعاليم التي يفرضها الملامتية على مريديهم لا تكاد تعدو سلسلة من النواهي في تحريم كذا أو كراهية كذا أو إنكار كذا. ولكننا بالرغم من هذا نستطيع أن نتبين إلى حد كبير بعض الفوارق التي يتميز بها الملامتي من غيره من الناس، صوفيين كانوا أم غير صوفيين أكثر مما نتبين نوع الحياة الروحية التي يحياها.

فالملامتي مثلا مطالب بألا يظهر عبادته أو ورعه وزهده أو علمه أو حاله، وهو لا يتكلم في الإخلاص بقدر ما يتكلم في الرياء الذي هو نقيض الإخلاص، ولا يتكلم في فضائل النفس وكمالاتها بقدر ما يتكلم في عيوب النفس وآفاتها ورعوناتها. ولا يطالب نفسه بما يقوم النفس ويهذبها بقدر ما يفرض على نفسه اتهام النفس وتحقيرها ومصادرتها في جميع رغباتها ومطامعها. وهو يفضل الكلام عن نقائص الأعمال ومساويها على الكلام في مناقب الأعمال ومحاسنها.

وإنك لتجد هذه الصفة السلبية منعكسة حتى في الاسم الذي اختارته هذه الطائفة لنفسها، فاسم الملامتية مشتق من الملامة التي هي بخع وتأنيب للنفس.

وربما كان لهذا الأسلوب من التعليم ما يبرره - كما سيتضح لك فيما بعد - لأن الملامتية قوم ثائرون على الكثير مما كان مقررا ومعترفا به عند الصوفية وغيرهم من رجال الدين. فمن الطبيعي أن يضعوا ذلك النظام السلبي ليقاوموا به نظاما لم يرضوا عنه؛ ومن أجل ذلك أطلقوا هذا الاسم على أنفسهم في مقابل اسم الصوفية الذي كان يسمى به أهل العراق أولا. وقد اختص بهذا الاسم «الملامتية» أهل خراسان. يقول السهروردي صاحب عوارف المعارف: «ولم يزل في خراسان منهم طائفة ومشايخ يمهدون أساسهم ويعرفونهم شروط حالهم. وقد رأينا في العراق من يسلك هذا المسلك ولكن لم يشتهر بهذا الاسم. وقلما تتداول ألسنة أهل العراق هذا الاسم.»

7

وليس ببعيد أن يكون اسم الملامتية متصلا ببعض الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر اللوم، كقوله تعالى:

ولا أقسم بالنفس اللوامة ،

8

وقوله:

يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ؛

9

فإن الآية الأولى تعلي من شأن النفس اللائمة لصاحبها، المؤنبة المحاسبة له على كل ما يصدر منه، وهي النفس الكاملة في الاصطلاح الملامتي. وتذكر الآية الثانية من صفات عباد الله الذين يحبهم ويحبونه أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأنهم في جهادهم في سبيل الله وإخلاصهم في ذلك الجهاد لا يخافون في الله لومة لائم ولا يكترثون بمدح الناس وذمهم. فإذا فهمنا الجهاد بالمعنى الصوفي أو الملامتي - أعني جهاد النفس - أدركنا أن الآية تشير إلى أخص صفات الملامتية، وأنها تصلح لأن تتخذ أساسا لمذهبهم وتكون مصدرا لاسمهم. ومما يعزز هذا الفرض قول حمدون القصار - وهو من أكابر مشايخهم وأوائل مؤسسي فرقتهم - وقد سئل عن طريق الملامة فقال: «ترك التزين للخلق بحال وترك طلب رضاهم في نوع من الأخلاق والأحوال، وألا يأخذك في الله لومة لائم.»

المَلامَتيَّة والصُّوفيَّة وأهل الفُتُوَّة · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المَلامَتيَّة والصُّوفيَّة وأهل الفُتُوَّةص ٤