تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان للملامتية، من حيث هم فرقة من فرق التصوف بمعناه العام، منزلة لا تجحد في تاريخ الفرق الإسلامية، وإذا كان لتعاليمهم وآدابهم أثر ظاهر في تطور الحياة الروحية في بعض نواحي العالم الإسلامي على الأقل، وهو أثر تجاوز موطن الملامتية الأصلي في خراسان إلى غيره من بلاد المسلمين، وظل يلعب دورا هاما في بعض الأقطار الإسلامية الشرقية - لا سيما تركيا - إلى عهد قريب. إذا كان كل ذلك أمكن أن يدرك القارئ القيمة العلمية والتاريخية لهذه الورقات التي ننشرها في القسم الثاني من هذا الكتاب، وهي رسالة السلمي عن فرقة الملامتية وأصول مذهبهم.

وبالنظر الدقيق في الأقوال المأثورة عن رجالهم، مما رواه السلمي في رسالته، وما نجده في تراجم مشايخ خراسان، نستطيع أن نؤلف صورة عامة - قد يعوزها الكثير من التفاصيل - عن طريقة الملامتية وتعاليمهم. ولم يعمل السلمي أكثر من أنه جمع ما وصل إليه من أقوال هؤلاء المشايخ، وما عرفه من تقاليدهم وعقائدهم وأحوالهم التي تميزوا بها من غيرهم، ووضع كل ذلك في صورة «أصول» توضح الأسس التي قامت عليها طريقتهم، تاركا أقوالا أخرى كثيرة لهم يتفقون في جوهرها مع غيرهم من رجال التصوف، معززا هذه الأصول بشواهد من القرآن أو الحديث أو أقوال بعض الصحابة وقدماء المشايخ. كما أنه لم يذكر - على حد قوله - إلا أطرافا من هذه الأقوال «يستدل بها على ما وراءها» تاركا للقارئ البحث عما هنالك من المعاني المستترة وراء تلك الأقوال، والبحث عن أقوال أخرى للملامتية لم يصل إليها علمه، أو علمها ولم يشأ أن يذكرها. وكأن السلمي يشير بذلك إلى أنه يخاطب برسالته عامة الناس الذين يقنعون من الأقوال بظواهرها، تاركا تفهم دقائق المذهب الملامتي وتعرف الروح الحقيقي فيه إلى خواص القراء الذين لهم ذوق في إدراك معاني القوم ونكاتهم. وقد كان له فضل السبق في هذا الميدان - كما قلنا - لأنه أتيح له من الفرص ما لم يتح لغيره من مؤرخي التصوف: فقد كان - إلى جانب علمه الواسع بتاريخ الصوفية ومذاهبهم - حفيدا لشيخ من أكبر مشايخ الملامتية هو أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي، آخر من مات من أصحاب أبي عثمان الحيري النيسابوري. وقد لزم السلمي جده وهو في صباه، وعرف منه أسرار الملامتية، وإن كان معروفا أنه لم يكن في وقت من الأوقات ملامتيا.

على أن السلمي لم يصور مذهب الملامتية بالصورة التي يرتضيها الباحث المتعطش لمعرفة هذا المذهب، وإن نجح - إلى حد ما - في تأليف طائفة من الأصول تبلغ نيفا وأربعين أصلا، تكفي في تمييز أهل الملامة من غيرهم من رجال التصوف المعاصرين لهم، كما تضع حدا فاصلا بين تعاليم الملامتية الأولين ومذهب الملامتية المتأخرين الذين نزلوا بهذا المذهب إلى أحط درجات الفساد والتدهور. وهذا المذهب الأخير - لسوء الحظ - هو الذي يفهمه الناس عادة من اسم الملامتية، وهو مقرون بمعنى العبث بأمور الدين والتراخي في العبادات، والمباهاة بالفجور والمعاصي، كما يقرن اسم الكلبيين من اليونان بما كان عليه متأخروهم من انحطاط في الأخلاق وانغماس في جميع ألوان الرذيلة، وينسى ما كان عليه سلفهم من نبل المبادئ وبعد النظر الفلسفي.

وهنالك مسألة أخرى وهي: هل الصورة التي وضعها السلمي في رسالته - على نقصها - صورة حقيقية تعبر تعبيرا صادقا عن طائفة الملامتية وآدابهم وتعاليمهم؟ أم هي من نسيج خيال المؤلف ومن وضعه، وليس لها أساس تاريخي تستند إليه؟ الحق أن جوابا قاطعا عن هذا السؤال متعذر - إن لم يكن مستحيلا - في وقتنا الحاضر الذي يجب أن نعترف فيه بجهلنا بكثير من حقائق التصوف وتاريخه. فمن المستحيل أن نقطع بأن الأقوال التي رواها السلمي لشيوخ الملامتية كانت حقا من ألفاظ أولئك المشايخ؛ لأن كثيرا منها لا وجود له في غير كتبه التي منها رسالته هذه، أو لا وجود له إلا في الأقوال التي رواها عنه بإسناداته بعض تلاميذه كالقشيري وأبي نعيم. على أننا إذا افترضنا أن بعض هذه الأقوال ليس بالفعل من العبارات التي فاه بها شيوخ الملامتية - بالرغم من نظام الرواية الدقيق الذي يتبعه المؤلف وما يذكره من الأسانيد - فإن هذا لا يقدح في أن المعاني التي تعبر عنها هذه الأقوال، والتعاليم التي تشير إليها هي في صميم مذهبهم. ولكن عدم توافر المراجع الأخرى التي قد نستطيع عن طريقها تحقيق رواياته يفسح المجال للتهم التي وجهها إليه من يرميه بأنه مؤرخ غير ثقة من شأنه أن يضع للصوفية الأقوال والأحاديث، وهذه مسألة سنعرض لها عند ترجمته.

المَلامَتيَّة والصُّوفيَّة وأهل الفُتُوَّة · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المَلامَتيَّة والصُّوفيَّة وأهل الفُتُوَّةص ٢