تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكروها ولم يتأولوها). في زمنه لأنه يحتمل أنه بعد زمنه ماذا؟ حَرَّفُوا وبدَّلُوا، إذًا هذا مُقيّد لأنه صار في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس كل اليهود يؤمنون بما ذكر في هذا الحديث، ولذلك قيده المصنف بقوله: (في زمنه) أي قوله: (إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع) إلى آخره مما هو دالٌ على إثبات صفة الأصابع لله على ما يليق بجلاله وعظمته، فهذا مما بقي عندهم ولم ينكروه كما أنكروا صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها. إذًا هم ينكرون بعضًا ويؤمنون ببعض ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85] هذا سيماهم.

(الثالثة: أن الحبر لَمَّا ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، صَدَّقَهُ، ونَزَلَ القرآن بتقرير ذلك). ما جاء على لسان العدو وهو حقٌّ يجب قبوله كما مرّ معنا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هنا صدقه بل ضحك عليه الصلاة والسلام، بل استدل بالقرآن على أن قولك حقّ، هذا عدلٌ وإنصاف، أي صَدَّقَهُ فيما قال ونزل القرآن موافقًا له إن قلنا بأن النزول متأخر ليس بظاهرٍ، ونزل القرآن موافقًا له لكونه قال حقًّا. أن الحبر لَمَّا ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - صَدَّقَهُ. قال: (ونزل القرآن بتقرير ذلك) ظاهر كلام شيخ الإسلام هنا يرى ماذا؟

أن الآية متأخرة، والنص لا يدل على ذلك لأنه حصل فقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن مسعود، فحينئذٍ نقول: القصة واقعةٌ والقرآن سابقٌ فاستدل النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدق قوله بما عنده من القرآن، وليس المراد أن القصة حصلت وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بعد ذلك نزل القرآن، فكيف صَدَّقَهُ، الصحابي يقول: (تصديقًا لقول الحبر) إذًا عنده علم بذلك فدل على أن القصة سابقةٌ على نزول الآية، لكن كلام المصنف هنا ظاهره هذا، لكن ظاهر حديث ابن مسعودٍ أنه قرأ الآية بعد قول الحبرِ، وهذا يدل على أن الآية نزلت قبل ذلك، فهو كذلك، ولكن مراد المصنف إن أردنا التأويل أن القرآن قد نزل بتقرير ذلك، لأنه ماذا؟ اليهود قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا هو سابقٌ فنزل القرآن بتقرير ذلك على هذا المعنى لا إشكال فيه، فعقيدة اليهود فيها هذه الجزئية هي مستقيمةٌ، ونزل القرآن بتقرير ذلك، يعني ليس مما خالف دين النبي - صلى الله عليه وسلم - مَنْ سبق، بل هذه مما اتفق عليها الأنبياء.

(الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لَمّا ذكر الحبر هذا العلم العظيم). ضحك لماذا؟ لكونه قال حقًّا لا إنكارًا عليه كما يزعمه من تأول هذا الحديث، بعض مَنْ حَرَّفَ الحديث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحك ماذا؟ إنكارًا عليه لأن الذي يُخْبَرُ بالخبر، إما أنه يضحك من ماذا؟ السخرية به، أنت تكذب ويضحك عليك، أو يكون من باب الرضا والتقرير والفرح بما عنده، هذا الذي معنا النص من باب الفرح والتقرير، بدليل فهم الصحابي لقوله: (تصديقًا لقول الحبر).

ثانيًا: يدل على ماذا؟ قراءة الآية، تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحك رضًا بما قال، وليس إنكارًا له كما قال بعض أهل البدع، لا إنكارًا عليه كما يزعمه من تأول هذا الحديث وقال إنه تعجبٌ من تحريف اليهود. أين التحريف؟ هذا يعتقد ماذا؟

يعتقد نفي الإصبع، ويعتقد ماذا؟ أن الله في كل مكان حينئذٍ عنده هذا تحريف فوافق اليهود، فاليهود خيرٌ منه في هذه المسألة، إن كان يدَّعِي الإسلام.

وفيه دليل على جواز الضحك في تقرير الأشياء لأن الضحك يدل على الرضا وعدم الكراهية.

(الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى). هذا يدل على عظمة الباري جل وعلا، إذا كانت السماوات السبع مع ما بينها من مسافةٍ خمسمائة عام، وسَمْك كل سماء خمسمائة عام مع ذلك تكون هذه السماوات السبع في يد الرحمن، يده اليمنى، هذا يدل على كمال عظمته جل وعلا، أي كما دل عليه حديث ابن عمر الذي في الصحيح وغيره، واليدان لله ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.

شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٢٠١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التوحيدص ٢٠١٣