تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَلَا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ , كَمَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ , فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللَّهِ مِنْهُ " أَوْ " قَدْ تُبْت مِنْهُ " فَقَدْ اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ , وَلَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

[هَلْ تُعَلَّقُ التَّوْبَةُ بِالشَّرْطِ؟] فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلتَّوْبَةِ أَوْ الْإِسْلَامِ بِالشَّرْطِ , وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ. قِيلَ: هَذَا مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ مُورِدِهِ ; فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ , تَلَفَّظَ بِهِ أَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ , وَكَذَلِكَ تَجْدِيدُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُوجَدَ مَا يُنَاقِضُهُ فَتَلَفُّظُهُ بِالشَّرْطِ تَاكِيدٌ لِمُقْتَضَى عَقْدِ التَّوْبَةِ وَالْإِسْلَامِ , وَهَذَا كَمَا إذَا قَالَ: " إنْ كَانَ هَذَا مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُك إيَّاهُ " فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا بَيْعٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ؟ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: " إنْ كَانَتْ هَذِهِ امْرَأَتِي فَهِيَ طَالِقٌ " لَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ , وَنَظَائِرُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ , وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ التَّعْلِيقَ بِالشُّرُوطِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ , حَتَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ شَكَتْ إلَيْهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ , فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي عَلَى رَبِّك فَقَوْلِي: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي , فَإِنَّ لَك مَا اشْتَرَطْت عَلَى رَبِّك﴾ فَهَذَا شُرِعَ مَعَ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ , وَقَدْ شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ لِحَاجَةِ الْأُمَّةِ إلَيْهِ , وَيُفِيدُ شَيْئَيْنِ: جَوَازُ التَّحَلُّلِ , وَسُقُوطُ الْهَدْيِ , وَكَذَلِكَ الدَّاعِي بِالْخِيَرَةِ يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّهِ فِي دُعَائِهِ , فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي عَاجِلُهُ وَآجِلُهُ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي , فَيُعَلِّقُ طَلَبَ الْإِجَابَةِ بِالشَّرْطِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِخَفَاءِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَّهُ أَوْ لَعَنَهُ وَلَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا كَفَّارَةً لَهُ وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا إلَيْهِ , وَهَذَا تَعْلِيقٌ لَلْمُدَّعُو بِهِ بِشَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ شُرِعَ لَهُ تَعْلِيقُ الدُّعَاءِ بِالشَّرْطِ , فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ , إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِهِ , وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ; فَهَذَا طَلَبٌ لِلتَّجَاوُزِ عَنْهُ بِشَرْطٍ , فَكَيْفَ يُمْنَعُ تَعْلِيقُ التَّوْبَةِ بِالشَّرْطِ؟ وَقَالَ شَيْخُنَا: كَانَ يُشْكِلُ عَلَيَّ أَحْيَانًا حَالُ مَنْ أُصَلِّي عَلَيْهِ الْجَنَائِزَ , هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ مُنَافِقٌ؟ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ فَسَأَلْته عَنْ مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ , فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ الشَّرْطَ الشَّرْطَ , أَوْ قَالَ: عَلِّقْ الدُّعَاءَ بِالشَّرْطِ , وَكَذَلِكَ أَرْشَدَ أُمَّتَهُ صلى الله عليه وسلم إلَى تَعْلِيقِ الدُّعَاءِ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ بِالشَّرْطِ فَقَالَ: ﴿لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ , وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي , وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي﴾. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْت بِعِبَادِك فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ﴾ وَقَالَ: ﴿الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ , إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا﴾. وَتَعْلِيقُ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَالِالْتِزَامَاتِ وَغَيْرِهَا بِالشُّرُوطِ أَمْرٌ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ أَوْ الْحَاجَةُ أَوْ الْمَصْلَحَةُ ; فَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُكَلَّفُ , وَقَدْ صَحَّ تَعْلِيقُ النَّظَرِ بِالشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ وَنَصِّ الْكِتَابِ , وَتَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِالشَّرْطِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , وَتَعْلِيقُ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ فِي تَزْوِيجِ مُوسَى بِابْنَةِ صَاحِبِ مَدْيَنَ وَهُوَ [مِنْ] أَصَحِّ نِكَاحٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , وَلَمْ يَاتِ فِي شَرِيعَتِنَا مَا يَنْسَخُهُ , بَلْ أَتَتْ مُقَرِّرَةً لَهُ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ " فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ حِلَّ الْفُرُوجِ بِالنِّكَاحِ قَدْ يُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ , وَنَصَّ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٣٣