الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ , كَمَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ وَالْجَعَالَةُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْعُقُودِ , وَعَلَّقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رضي الله عنه عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّرْطِ , فَكَانَ يَدْفَعُ أَرْضَهُ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ فَلَهُ كَذَا وَإِنْ جَاءَ الْعَامِلُ بِالْبَذْرِ فَلَهُ كَذَا , ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ , وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَاحِبٌ , وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إنْ بِعْت هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ , وَرَهَنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَعْلَهُ وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بِالْحَقِّ إلَى كَذَا وَإِلَّا فَهُوَ لَك , وَهَذَا بَيْعٌ بِشَرْطٍ , فَقَدْ فَعَلَهُ وَأَفْتَى بِهِ. وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ , نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ فِعْلًا مِنْهُ , فَقَالَ لِمَنْ اغْتَابَهُ ثُمَّ اسْتَحَلَّهُ: " أَنْتَ فِي حِلٍّ إنْ لَمْ تَعُدْ " فَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: قَدْ اغْتَابَك وَتُحْلِلُهُ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَنِي قَدْ اشْتَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ؟ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِنُصُوصِهِ وَلَا لِأُصُولِهِ , وَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ , وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ , وَعَلَى تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ , وَقَدْ عَلَّقَ أَبُو بَكْرٍ تَوْلِيَةَ عُمَرَ رضي الله عنه بِالشَّرْطِ , وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ , إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ﴾ فَهَذَا الشَّرْطُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ , وَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّارِعُ , وَقَالَ: ﴿مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ , إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ: ﴿مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ﴾ وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: ﴿كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ , فَقَالَتْ: أَعْتَقْتُكَ , وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عِشْتَ , فَقُلْتُ: وَلَوْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عِشْتُ , فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ﴾ , وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ وَلَك مَا شَرَطْت ,. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ: إذَا أَحَلَّهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ , وَقَالَ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الْإِقْرَارِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ: وَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيهٍ: ارْحَلْ رِكَابَك فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَك فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ , فَلَمْ يَخْرُجْ , فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: إنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا فَقَالَ: إنْ لَمْ آتِك الْأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَك بَيْعٌ , فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْته , فَقَضَى عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْمَهْرِ: وَقَالَ الْمِسْوَرُ: ﴿سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ , فَقَالَ: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي , وَوَعَدَنِي فَوَفَانِي﴾ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ: ﴿أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَرْثِ: وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُمْ الشَّطْرُ , وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ: " إنْ خِطْته الْيَوْمَ فَلَكَ كَذَا , وَإِنْ خِطْته غَدًا فَلَكَ كَذَا " وَفِي جَوَازِ: " بِعْتُكَهُ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً " فَالصَّوَابُ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ لِلنَّصِّ وَالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ. وَقَالَ جَابِرٌ: ﴿بِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا , وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي﴾. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلِ
سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٣٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي