تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ فَلَا يُمْكِنُهَا إلْزَامُهُ بِالشَّرْطِ فَلَا تَاذَنُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ , فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُمَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَيْتَ وَكَيْتَ ; فَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا , وَلَا بَاسَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ , فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَتَخَلَّصُ بِهَا مِنْ نِكَاحِ مَنْ لَمْ تَرْضَ بِنِكَاحِهِ , وَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ رَفْعِ أَمْرِهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكَاحَهَا بِالْغَيْبَةِ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِمَا.
[ضَمَانُ مَا لَا يَجِبُ] الْمِثَالُ السِّتُّونَ: يَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَا يَجِب كَقَوْلِهِ: " مَا أَعْطَيْت لِفُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ " عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ , كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِ مُؤَذِّنِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وَالْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ , بَلْ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ أَوْ الضَّرُورَةُ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ , وَسَلِمَ جَوَازُهُ إذَا تَبَيَّنَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَدَرَكِ الْمَبِيعِ. وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِأَنْ يَلْتَزِمَ عَنْهُ مِقْدَارًا لَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِهِ لِلدَّافِعِ ثُمَّ يَضْمَنَهُ عَنْهُ الضَّامِنُ , فَإِنْ خَشِيَ الْمُقِرُّ أَنْ يُطَالِبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ , فَإِنْ تَحَرَّجَ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْكَذِبِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ مَا يُرِيدُ أَخْذَهُ مِنْهُ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي الْتَزَمَ الضَّامِنُ أَدَاءَهُ , فَإِذَا صَارَ فِي ذِمَّتِهِ ضَمِنَهُ عَنْهُ , وَهَذَا الْحُكْمُ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ وَضَمِنَ لِلْمَرْأَةِ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا فَالصَّحِيحُ فِي هَذَا كُلِّهِ جَوَازُ الضَّمَانِ , وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ , وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ , وَلَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَةُ , وَعُقُودُ الِالْتِزَامِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْجَهَالَةُ كَالنَّذْرِ , ثُمَّ يُمْكِنُ رَفْعُ الْجَهَالَةِ بِأَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا فَيَقُولَ: مِنْ دِرْهَمٍ إلَى كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالْغَايَةِ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي كَمْ يَلْزَمُهُ مِنْهُ. قِيلَ: لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي جَوَازِ الِالْتِزَامِ ; لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِي الْآخَرِ كَمْ هُوَ الْوَاجِبُ مِنْهُ , ثُمَّ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَقَالَ: " لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ " صَحَّ ; فَهَكَذَا إذَا قَالَ: " ضَمِنْت عَنْهُ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ ". فَإِنْ قِيلَ: الضَّامِنُ فَرْعٌ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ , فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَنْبَنِي الضَّمَانُ وَيَتَفَرَّعُ؟ قِيلَ: إنَّمَا يَصِيرُ ضَامِنًا إذَا ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ , وَإِلَّا فِي الْحَالِ فَلَيْسَ هُوَ ضَامِنًا. وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: " هُوَ ضَامِنٌ بِالْقُوَّةِ " فَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ضَمَانٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ , وَذَلِكَ جَائِزٌ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حِيلَةٌ فِي الْخَلَاصِ مِمَّا سَبَقَ بِهِ اللِّسَانُ] الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: إذَا سَبَقَ لِسَانُهُ بِمَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ , أَوْ أَرَادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَتَابَ مِنْهُ , أَوْ خَافَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ , فَرُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ وَادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ , فَإِنْ أَنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ , وَإِنْ أَقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ , وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لَا يَرَى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْ ذَلِكَ , فَالْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ أَنْ لَا يُقِرَّ بِهِ وَلَا يُنْكِرَ , فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ , بَلْ يَكْفِيه فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ , وَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللَّهِ مِنْهُ " وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَكْتَفِي مِنْك بِهَذَا الْجَوَابِ , بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ , فَإِنَّ هَذَا جَوَابٌ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى , وَتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الْخَسْفِ بِالْإِقْرَارِ - وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ , أَوْ الْإِنْكَارِ وَقَدْ تَابَ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وَبَاطِلٌ ; فَلَا يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ بَعْدَ هَذَا هَلْ وَقَعَ مِنْك ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقَالَ: " لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ لَا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وَإِلَى الْآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ , وَلَمْ يُسْأَلْ لَا هُوَ