688 ـــ ولما قال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طِيرةَ ولا هامة» . قال رجل: أرأيت البعير يكون به الجرَبُ، فتجرب الإِبل؟ قال: «ذاك القدَر، فمن أجْرَبَ الأول» ؟. ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدَر، وردُّ الأسباب كلها إلى الفاعل الأول، إذ لو كان كل سبب مستنداً إلى سبب قبله، لا إلى غاية لزم التسلسل في الأسباب، وهو ممتنع، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم التسلسل بقوله: فمن أعدى الأول، إذ لو كان الأول قد جرب العدوى والذي قبله كذلك، لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع.
689 ـــ وسألته صلى الله عليه وسلم امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله، دار سكَّناها والعدد كثير، والمال وافر، فقلَّ العدد وذهب المال، فقال: «دَعُوها ذميمة» .
690 ـــ وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة: في الفرَس، وفي الدار، والمرأة» وهو إثباتٌ لنوع خفي من الأسباب، ولا يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه، فإن من الأسباب ما يعلم سببيته قبل وقوع مسببه، وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا يعلم سببيته إلا بعد وقوع مسببه وهي الأسباب الخفية، ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطلعة، ومدور الكعب، ونحوه فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذا النوع ولم يبطله، وقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» ، تحقيق لحصول الشؤم فيها وليس نفياً لحصوله من غيرها، كقوله: «إن كان في شيء تتداوون به شفاء، ففي شرْطة مِحجَم، أو شَرْبة عسل، أو لذعَة بنار، ولا أَحب الكيَّ» .
691 ـــ وقال صلى الله عليه وسلم: «من ردَّته الطِّيَرَةُ من حاجته فقد أشرَك» ، قالوا: يا رسول الله وما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا طيرَ إلا طيركُ، ولا خير إلا خيرك» .
ذكر فصول من فتاويه صلى الله عليه وسلم في أبواب متفرقة