تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غرباء الدين والدنيا

قد يظن بعض من قصر ثوبه، أو أعفى لحيته، أو التزم ببعض السنن المهجورة، أنّه يكون قد بلغ بذلك غاية الغربة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم، قد يكون ذلك جزءاً من مظاهر غربة هذا الدين، خاصة في زمن انتشرت فيه البدع، وأينعت رؤوس أصحابها، وفي زمن استفحل فيه الجهل، واستشر فيه الظلم، وعم فيه الفساد، وظهرت فيه المعاصي، وصار المعروف فيه منكرا، والمنكر فيه معروفا، وترجلت فيه النساء، وَ"تَنَسْوَنَ" فيه الرجال، فلا تكاد تفرق في هذا الزمان بين الذكر والأنثى من شدة تشبه بعضهم ببعض، بحيث أصبحت اللحية والثوب القصير للرجال تخلفا، وأصبح الحجاب والجلباب للنساء تزمتا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولكننا لو تدبرنا حديث الغربة لوجدنا أن حقيقة الغربة المقصودة فيه وقطبها، وأشدها مرارة وأعظمها وطأة على نفوس أهلها هي غربة كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، وبالتالي فإن أشد الناس غربة أفهمهم وأعلمهم لمعناها، وأكثرهم تحقيقاً لشروطها وعملاً بمقتضياتها، وأبعدهم وأبرؤهم من نواقضها.

فكل غربة في الدين هي تبع لغربة لا إله إلا الله، وبحسب غربة هذا الركن من أركان الدين أو ظهوره تكون غربة الأركان الأربعة من بعده وما يلحق بها من السنن أو ظهورها.

ولتقرير ما ذكرناه آنفا من أن المقصود من حديث الغربة هي غربة لا إله إلا الله، فلا بد لنا أن نسوق الحديث بنصه للوقوف على بعض مفرداته التي استشهدنا بها، فنقول:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء)) مسلم:145، وجاء في رواية أحمد: قيل يا رسول الله ومن الغرباء؟، قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس"، وعند ابن ماجه: قيل ومن الغرباء؟، قال: "النزاع من القبائل".

فقوله صلى الله عليه وسلم: ((وسيعود كما بدأ غريباً)) يدل على أن طبيعة وماهية غربة الإسلام في آخر الزمان تكون كطبيعة وماهية غربة الإسلام الأولى تماماً، فحرف الكاف في كلمة "كما" يدل على التشبيه، وحرف "ما" يدل على الماهية كما هو معلوم.

قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى:" قال محمد بن الحسين رحمه الله: فإن قال قائل: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ))؟، قيل له: كان الناس قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم أهل أديان مختلفة، يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان، فلما بعث النبي

زاد المشتاق · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زاد المشتاقص ٣٠