على دينهم، وعلى أعراض الأمة ودماءها، فلم تهتد الدياثة إلى قلوبهم سبيلاً، لا في دين الأمة، ولا في أعراضها ودماءها، ولم تخنّث عزيمتهم في الذب عن ذلك كله؟.
فهذه هي حقيقة أولئك الرجال، ومنزلتهم التي حق للأمة أن تنزلهم إياها، وصفاتهم التي ما عرفت الأمة لها وجوداً إلا في بطون كتب التأريخ والسير.
ويفصل بيننا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي والناس أجمعين، مبيناً من همالخوارج حقيقةً إذ وصفهم فقال: ((يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان))، فإننا والله لا نسمع عواء أولئك الزنادقة ونعيقهم بالشجب والاستنكار إلا إذا نزلت قطرة دمٍ نجسة من أحد أوليائهم من اليهود والصليبيين، والتي لا تهرق إلا دفعاً لصولة صاحبها وفساده، أو أطراً وقطعاً لدابر ظلمه وطغيانه، وفي أقل تقدير، فإنها تكون من باب المعاملة بالمثل والتي شرعها لنا العزيز الحكيم سبحانه.
أما دماء المسلمين التي تسفك ليل نهار على أيدي أوليائهم من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم من ملل الشرك والكفر في مشارق الأرض ومغاربها، فلا تحرك في أولئك الخونة ساكناً، ولا نسمع لهم شجباً ولا استنكاراً، ولا نرى لهم إلا رؤوسأً قد طأطأت بالخزي والعار، بعد أن أفلسوا من تبريراتهم الواهية لأوليائهم، وبعد أن استنفذوا ما في جعبتهم من أعذار ساقطة يرقعون بها لأربابهم، فإلى الله المشتكى.
خامساً: تعييرهم للمجاهدين بما يقع منهم من أخطاء، وتجييشها لصرف الناس عنهم وعن دعوتهم الجهادية المباركة، ومن ثم تصدير تلك الأخطاء للناس على أنها هي الأصل الذي ينطلق منه المجاهدون، وهي المنهاج الذي عليه يسيرون.
قال الله جل وعلا على لسان فرعون في تعييره لموسىعليه الصلاة والسلام بقتل الرجل من آل فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الشعراء:19، فإنك ترى في هذه الآية أن سفّاك الدماء فرعون، الذي قتّل أطفال بني إسرائيل الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، بدمٍ بارد مع سبق الإصرار والترصد، وقلب لا يعرف لمفردات الرحمة أو مبادىء الإنسانية أي معنى، يربأ بنفسه في هذه الآية، بل ويعف لسانه عن النطق بكلمة "القتل"، فإنه لم يقل "قتلت نفساً" بل إنه قال متأنّفاً: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الشعراء:19، لأن هذه الكلمات أبلغ في إستنكار ما فعله موسىعليه الصلاة والسلام، رغم أنه عليه الصلاة والسلام قد قتل ذلك الرجل من آل فرعون قبل أن يبعثه الله برسالته ابتداءً، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يقصد قتله البتة، بل إن الحادث لم يكن إلا عن محض الخطأ كما هو معلوم من قصة موسىعليه الصلاة والسلام.