قال ابن الجوزي – رحمه الله –
أفضل الأشياء التزيد من العلم ، فغنه من اقتصر على ما يعلمه فظنه كافياً استبد برأيه ، فصار تعظيمه لنفسه مانعاً من الاستفادة .
قال : غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوعُ رؤية للنفس حبس عن إدراك الصواب نعوذ بالله من ذلك . ا هـ ([37]) .
وصدق علي بن ثابت حينما قال :
العلم آفته : الإعجاب والغضب والمال آفته : التبذير والنهب
قال أيوب السختياني : ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله .
وقالوا المتواضع من طلاب العلم أكثر علماً ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء .
وقيل لحكيم : ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها : قال التواضع . قيل له فما البلاء الذي لا يرحم عليه صاحبه قال العجب . ([38])
فليحذر الطالب من هذه الصفات الذميمة التي يمقتها الله ويمقتها المؤمنون ، فإن من تواضع لله رفعه ، وضده : من لم يتواضع لله سفل .
وإذا حدثته نفسه بشيءٍ من ذلك فليذكر مآله ومصيره ، وليعلم أن هناك من هو أصغر منه سناً ، وأكبر منه علماً .
ولقد بلينا في هذا الزمن بشرذمةٍ قليلةٍ – ولله الحمد – يقرؤون كتاباً أو كتابين ، ويحفظون مسألة أو مسألتين ، ثم بعد يوم أو يومين – من أعمارهم في الطلب – يصبحون مجتهدين ، وليتهم يقتصرون على هذا الخيال الكاسد بل يستصغرون غيرهم من العلماء ، بله طلبة العلم والدعاة ، ويرون لأنفسهم مكاناً عالياً لا يصل إليه أحد ، يظهر ذلك علي ملابسهم ، ومشيهم وكلامهم فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وما أعظم ضررهم ، وأقل نفعهم ، وأمتن جهلهم ، نسأل الله تعالي أن يهديهم سواء السبيل .
وإلى هؤلاء أسوق فضلاً نفيساً لابن الجوزي – رحمه الله – حيث يقول :
انتقدت على أكثرالعلماء والزهاد : أنهم يبطنون الكبر .
فهذا ينظر من موضعه وارتفاع غيره عليه ، وهذا لا يعود مريضاً فقيراً يرى نفسه خيراً منه .