وسبق قول الشاعر (1):
لي صديقٌ يرى حقوقي عليه ... نافلاتٍ، وحقَّه الدهرَ فرضا
لو قطعت الجبال طولاً إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأى ما صنعت غير كبير ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا
وقد يغري طيب نفس الصديق وسلامة قلبه وفرحه بخدمة أخيه، قد يغري ذلك صديقه باعتياد أن يكون دائمًا هو المسعي له والمخدوم والذي تقضى له الحوائج ويتعب من أجله صديقه ... فكأنما صديقه قد خلق له ليقوم تجاهه بحقوق الأخوة، وكأنما خلق هو ليكون مدللاً، أو كأنما خلق صاحبه ليكون محبًا لا محبوبًا وخلق هو ليكون محبوبًا لا محبًا.
ومثل هذا الحال يصعب دوامه مهما كان أخوك صابرًا صبر الجمال ...
وما أحسن قول القائل:
إن كنتَ تجعلُ من حباك بوده ... ظهْرَ البعير فثقْ بأنكَ عاقِرُه
من ذا حمَلْتَ عليه كلَّك كله ... إلا اشمأز، فظن أنك حاقِرُه
فللأسف يظل البعض يثقل على صديقه حتى ينفر صديقه منه ثم يظل يذم أصدقاءه ويقول: لم أجد أخًا صادقًا .. وإنما الآفة فيه هو، وما أشد فطنة ابن عطاء وفقهه، وما أحسن ما قاله حين سمع رجلاً يقول: أنا في طلب صديق منذ ثلاثين سنة فلا أجده، فقال له ابن عطاء: لعلك في طلب صديق تأخذ منه شيئًا، ولو طلبت
(1) انظر ص106.