تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

له من قوة وما معه من عدة ، وكان كثير من السكان لصوصاً وقطاع طرق ، ديدنهم السلب والنهب ، والغارات والثارات . فلما طُبّقت الحدود أصبحت الجزيرة خير بلاد العالم كله أمناً واستقراراً ، يأمن فيها المسافر والمقيم ، حتى إنه لتترك الأموال على الطرقات دون حراسة ، فلا تجد من يسرقها أو يزيلها من مكانها على الطريق ، وتترك المتاجر مفتوحة أوقات الصلوات مدة غير قليلة ، والمعروضات في متناول اليد ، فلا يمسها أحد ، ويأخذ أصحاب الأموال ودائعهم من البنوك مهما كثرت غير متحرجين أو خائفين ، فيذهبون بها إلى حيث أرادوا وهم آمنون مطمئنون [42] . فقد أقامت هذه العقوبة الشرعية أعراب البادية الذين هم أجرأ من العقبان ، أقامتهم على سواء السبيل ، فلا تمتد يد أحد منهم إلى ما ليس له ، ولو كان في معرض ناظرَيْه ومتناول يدَيْه . وننظر في المجتمعات الغربية وغيرها من الدول التي تطبق القوانين الجاهلية ، ممن يرمون حد السرقة بهذه التهمة ، وكيف يعيش الناس هناك في فزع دائم ، وخوف مستمر من سطو اللصوص عليهم ، واعتدائهم على أموالهم وأنفسهم ، في الطرقات والمنازل والمصارف والمتاجر وغيرها ، جهاراً نهاراً ، يأخذون ما تصل إليه أيديهم ، دون خوف من رادع يردعهم ، أو عقوبة تنزل بهم ، اللهم إلا عقوبة السجن التي يجدون فيها كل ما يشتهون . ولو أنه أقيم عليهم الحد الشرعي للسرقة ؛ لتفيأ الناس ظلال الأمن والسكينة ، واطمأنوا على أموالهم ومصالحهم ، ولما رأوا أكثر من يد أو بضعة أيد تقطع خلال عام أو أكثر [43] . وكونها تشوه أو تعطل هذه القلة القليلة من المجرمين ؛ فإن هذا هو فعلهم بأنفسهم ، وهو جزاء ما اقترفته أيديهم من ظلم وإجرام . وهو أمر لا بد منه لحماية أمن الجماعة ، وتحقيق الطمأنينة للكافة . فهم حينما يقطعون يداً واحدة خائنة ؛ يحفظون نفوساً كثيرة ، ويصونون أيدياً أمينة عاملة لا تُعد ولا تُحصى . ويا ليت الناس يوازنون بين عدد المشوهين والمجروحين والمقتولين الذين جنت عليهم جرأة اللصوص والمجرمين ، وبين من يُقطعون لكف عدوانهم ، وقطع شرهم عن أنفسهم ومجتمعاتهم ، حتى يدركوا أن إقامة الحد الشرعي تأمين للمجتمع ، وتحصين لمصالح الناس ، وتوفير للطاقات العاملة ، والقوى البشرية المنتجة [44] . وصدق الله عز وجل حيث يقول : [ أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ]( المائدة : 50 ) . قال الشيخ

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٦٠