العمل ، والتخوف الشديد على المستقبل . كما أن قطع يده أو رجله فيه فضحٌ له وتشهير به ، وقطع للثقة فيه ، بخلاف ما كان يقصده بسرقته من الظهور والتباهي . فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع ؛ دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة ، تصرف عن ارتكابها . فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية ، وارتكب الإنسان الجريمة مرة ، كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلّب العوامل النفسية الصارفة ، فلا يعود إلى الجريمة مرة ثانية [40] . وأما عقوبة الحبس ؛ فإنها لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة ؛ لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل والكسب إلا مدة الحبس . وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو ملبى الطلبات مكفيّ الحاجات ؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب ، وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته من طريق الحلال والحرام على السواء ؛ لأنه لم يخسر شيئاً يحد من كسبه ، ويفقده ثقة الناس به . ولكنه إذا قطعت يده نقصت قدرته على الكسب نقصاً كبيراً ، ولن يستطيع أن يخدع الناس ويحملهم على الثقة به والتعاون معه وهو يحمل أثر الجريمة في جسمه ، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه . فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع ، وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس . وفي طبيعة الناس كلهم ، لا السارق وحده ، أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة ، وأن لا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة [41] . كما أن عقوبة السجن فيها إخفاء للجريمة ، وستر على المجرم ، فتُنسى جريمته ، ويخرج من السجن وكأنه لم يقترف ذنباً ، ولم يرتكب جرماً . أما تطبيق الحد الشرعي فإنه بمثابة إعلان بالخط العريض ، يحمله المجرم حيثما كان ، معلناً دناءته وخسته ، وقبح فعله ، وسوء عاقبته ، فيرتدع بذلك كل من رآه أو سمع به ، فتنقطع جذور البلاء ، وينقمع المجرمون وأهل المطامع والأهواء . ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية ، وهو السر في نجاح هذه العقوبة في الحد من السرقة أو القضاء عليها في البلاد التي طُبّقت فيها قديماً وحديثاً . لقد كانت الجزيرة العربية قبل تحكيم الشريعة فيها من أسوأ بلاد العالم أمناً ، فكان المسافر إليها وكذلك المقيم فيها لا يأمن على نفسه وماله وعياله ساعة من ليل أو نهار ، بالرغم مما
أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي