أحمد محمد شاكر مخاطباً رجال القانون في مصر ، وهو يقارن بين أثر العقوبة الوضعية والشرعية لجريمة السرقة : « وهذه جرائم السرقة ، ليست بي حاجة أن أفصّل لكم ما جنت كثرتُها على الأمة وعلى الأمن ، وها أنتم أولاء تسمعون حوادثها وفظائعها ، وتقرؤون من أخبارها في كل يوم ، وترون السجون قد ملئت بأكابر المجرمين العائدين ، وبتلاميذهم المبتدئين الناشئين ، ثم كلما زادوهم سجناً زادوا طغياناً . ولو أنهم أقاموا ما أنزل إليهم من ربهم ، وحدّوا السارق بما حكم الله به عليه ؛ لكنتم تتشوفون إلى أن تسمعوا خبراً واحداً عن سرقة . ثم لو وقع كان فاكهةً يتندّر الناس بها ؛ ذلك أن عقوبة الله حاسمة ، لا يحاول اللصّ معها أن يختبر ذكاءه وفنّه . نعم أنا أعرف أن كثيراً منا يرون أن قطع يد السارق لا يناسب مبادئ التشريع الحديث ! ولكن المسلم الصادق الإيمان لا يستطيع إلا أن يقول : ألا سحقاً لهذا التشريع الحديث ! أفَنَدَع الألوف من المجرمين يروّعون الآمنين ، لا يرهبون قوياً ، ولا يرحمون ضعيفاً ، في سبيل حماية يدٍ أو يدَيْن تقطعان في كل عام ، وقد يكون ذلك في كل بضعة أعوام ؟! [45] وأنتم ترون أنه قد تزهق عشراتٌ من النفوس لاختلاف على مبدأ سياسي ، أو لمظاهرة قد لا تضر ولا تنفع ؛ بحجة المحافظة على الأمن والنظام . لا تظنوا أنكم ستقطعون من السارقين بقدر ما تسجنون . فهاكم الأمن في الحجاز وبادية العرب ، وقد كان مجرموهم قُساةً لا يحصيهم العد ، وعجزت الحكومات السابقة عن تأديبهم بمثل قوانينكم ، فما هو إلا أن جاءت الدولة الحاضرة ، واتّبعت شرع الله وأقامت حدوده ، حتى استتب الأمن ، ثم لا تكاد تجد سارقاً هناك ، إلا أن يكون من الغرباء في موسم الحج » [46] . * الشبهة الرابعة : حول عقوبة القصاص : قالوا : إن القصاص عقوبة قاسية لا تراعي شخصية المجرم وظروفه ودوافعه ، كما أن جعل القصاص حقاً لأولياء القتيل ؛ فيه تغليب لجانب الانتقام ، واعتباره أساساً للعقاب ، وهذا من الهمجية الأولى ، ولا يتفق مع التحضر والمدنية ، واعتبار العقاب تهذيباً واستصلاحاً . - دحض هذه الشبهة : أما أن القصاص عقوبة قاسية فهذا حق ، ولكنها هي مقتضى العدل والإنصاف ؛ لأن القصاص يفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه ، فهو جارٍ على سنن المساواة بين الجريمة والعقوبة مساواة دقيقة ، ولا ظلم في القصاص ، بل الظلم أن يُترك الجاني من غير قصاص . وأما إهمال شخصية المجرم ، فقد ذكرت
أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٦١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٦١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي