تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متعاونين جدد من حدثاء العهد بالجريمة ، بل لقد جعلوا من السجن ساحة ممهدة لرسم الخطط ، وتقاسم المهمات ، يشاركهم إخوان لهم في الإجرام خارج القضبان . أضف إلى ذلك ما يخلق لديهم السجن من شعور بالعداء ورغبة في الانتقام للنفس ، وإثبات الذات [38] . كما أن السجن يؤدي إلى تحطيم الطاقات القادرة على العمل ، وقتل الشعور بالمسؤولية في نفس المجرم تجاه ذاته وأسرته ، ويحبب إليه القعود والكسل . حيث ينعم بتوفير وسائل الراحة والترفيه له ، وتقديم الغذاء والكساء والدواء له مجاناً طيلة بقائه في السجن . ولربما رغب في البقاء بالسجن طلباً لذلك الذي قد لا يحصله خارج السجن ، وقد يعاود الجريمة بعد خروجه منه من أجل العودة إليه ، والتنعم بما فيه ، وضمان لقمة العيش بين جدرانه . هذا فضلاً عما تخسره الدولة في الإنفاق على هؤلاء المساجين ، وحراستهم والقيام عليهم ، وما تخسره من تضييع جهودهم ، وهدر طاقاتهم ، وحبسهم عن العمل والكسب . وفضلاً عما ينتج من سجنهم من عزلهم عن بيوتهم وزوجاتهم وأولادهم ، وتعريضهم للحاجة والضياع . أضف إلى ذلك كله أن حبس المساجين عن مزاولة نشاطهم ، وحرمانهم من الاتصال بزوجاتهم ، وجمعهم في مكان واحد قد لا تتوفر فيه المواصفات الصحية الكاملة في أغلب الأحيان سبب مباشر لانخفاض المستوى الصحي والأخلاقي بينهم ، وانتشار كثير من الأمراض فيهم ، وانتقال العدوى من بعضهم لبعض . هذه بعض عيوب العقوبة بالحبس ، والتي ينادون بتطبيقها بدلاً عن العقوبة الشرعية [39] . والفرق الأساسي بين هذه العقوبة الوضعية وبين العقوبة الشرعية ، وسبب نجاح هذه دون تلك : هو أن العقوبة الشرعية قد وُضعت على أساس من طبيعة الإنسان ، وعِلْمٍ بما يزجره ويردعه . فإن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يريد منها تكثير ماله ، وزيادة كسبه بكسب غيره ، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ، ويريد أن ينميه من طريق الحرام وسرقة جهود الآخرين وثمرة أتعابهم . وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور ، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل . فهذا هو الدافع الذي يدفعه إلى السرقة . وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع ؛ لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب ؛ إذْ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أياً كان . ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء ، وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٥٨