وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ]( يونس : 108 ) [4] . 3 - أن تعلق هؤلاء بالجديد ونبذهم للقديم ؛ ليس مبنياً على منطق عقلي سليم ، وإنما هو استجابة لوهم من الأوهام النفسية التي تتعلق بالجديد أياً كان نوعه ، ظناً منها بأنه لا يزال يحتفظ بذخره ومكنون خيراته ، وتعاف القديم مهما كان نوعه أيضاً لتبرمها به وتوهمها بأن الزمن قد استحلب خيراته ، وقضى على فوائده ، وأن العقل البشري لا بد أن يكون قد تجاوزه إلى ما هو أجدى وأنفع . ولا يجوز لعاقل يحترم عقله أن يستجيب لهذه الإيحاءات النفسية الخاطئة ، ويلغي ما يقتضيه العقل السليم ، والمنطق الصحيح . ولئن كانت النفس البشرية تخيل لصاحبها أن القديم قد زال نفعه ، وجنيت ثماره ، فإن العقل السديد يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه وآثاره ، وتحقيقه للثمرة المرجوة منه . وربّ جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان ، ورب قديم شهد له العقلاء ، والتاريخ الغابر ، والواقع المعاصر ، على أنه كان ولا يزال مصدر خير وسعادة لكل من ظفر به . ولقد علم كل إنسان أن مقومات الحياة في هذه الدنيا ، من شمس وهواء ، وأرض وماء ، وزرع وضرع ؛ لم يُخْلِقْها تعاقب الزمان ، وكَرُّ الليالي والأيام ! فهل قاطع أصحاب النفوس التي تشمئز من القديم هذه المقومات الأساسية لقدمها ؟ وهل تحولوا ساعة عن التعامل معها ؟ والعقوبات المقدرة في الشريعة ؛ إنما هي عقوبات على جرائم ثابتة لا يتبدل وجه المفسدة فيها مهما اختلفت الأزمان والأماكن ، وتطورت الحياة والنظم . ولهذا فإنها لا تزال صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان [5] . 4 - أن هذه الشبهة جاءت من قياس العقوبات الشرعية على العقوبات الوضعية التي تتطور مع الزمن ، ويحصل فيها التغيير والتبديل بين الحين والحين ، تلافياً لما فيها من الأخطاء ، وتحقيقاً لما هو أجدى وأكمل . وما دامت القوانين تُلغى أو تُعدل ؛ فلم لا نفعل مثل ذلك في العقوبات الشرعية ؟ وهذه نظرة خاطئة إلى الشريعة الإسلامية ، ومكمن الخطأ فيها قياس شريعة الله عز وجل العادلة المحكمة ، على الاجتهادات البشرية القاصرة التي تتأثر بما حولها من مؤثرات شخصية أو اجتماعية أو بيئية ، أو غيرها [6] . ولو سلمنا جدلاً : أنه ينبغي مسايرة التشريع للعصر ؛ فما مقياس ذلك ؟ إنْ كان يرجع إلى انتشار الفساد ، وكثرة الإجرام ، وتفشي الظلم والعدوان ؛ فإن العقوبات في هذا الزمن يجب أن تزيد قسوة وشدة . وما كان يصلح لأولئك
أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٤٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٤٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي