تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد عفّى عليها الزمان ، وتجاوزتها الحضارة ، ولم تعد ملائمة لهذا العصر : عصر التقدم والمدنية ، والتحضر التقني والصناعي . فالأخذ بها تقهقر بالإنسانية الراقية ، ورجعة بها إلى عهود الظلام الدامس ، والقرون الوسطى . ولئن كانت هذه العقوبات صالحة للبيئة البدوية التي نزل فيها القرآن ، ومناسبة لأولئك الحفاة الجفاة من الأعراب قبل ألف وأربعمائة عام ؛ فإنها لا تصلح للعالم المتحضر الحديث ، ولا تناسب المتحضرين المتمدينين في القرن العشرين ، وكيف يليق بهم أن يخضعوا لقانون نشأ بين جبال مكة و المدينة ، وجلاميد الصحراء ، وأحراش الجزيرة [1] . - دحض هذه الشبهة : كل ما في هذه الشبهة أن العقوبات الشرعية قديمة ، شُرعت لمجتمعات بدائية ، تختلف بطبيعتها وعاداتها عن المجتمعات العصرية المتحضرة ، وهذا دليل على عدم صلاحيتها للتطبيق في هذا العصر الذي بلغت فيه المدنية ذروتها . وهذا قول متهافت ساقط من وجوه : 1 - أن العاقل المنصف لا يزن الأحكام والتشريعات بالزمان الذي صدرت فيه أو نُقلت منه ، ولا بالبقعة التي جاءت منها أو كانت فيها . ولكن الميزان الذي تُقَوّم به هو مدى صلاحيتها ، وتحقيقها للغاية المبتغاة منها . فالعاقل نصير الحق ، وناشد الحكمة أنى وجدها ، ومن أي شخص جاء بها ، وفي أي زمان أو مكان وقعت فيه . وهو عدو الباطل ، بصرف النظر عن مصدره وعن زمانه ومكانه ، ومن دعا إليه وعمل به . وعليه ؛ فليس كل قديم مردوداً ، ولا كل جديد مقبولاً ، ولا كل ما نشأ في البادية فاسداً ، ولا كل ما نشأ في الحضر صالحاً [2] . 2 - أن مصدر هذا التشريع ليس بقعة من بقاع الأرض ، ولا اجتهاداً بشرياً قاصراً ، وإنما هو شريعة الله التي أنزلها هدى ورحمة للعالمين : عربهم وعجمهم ، باديهم وحاضرهم ، أولهم وآخرهم ، [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ]( الأنبياء : 107 ) ، [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ]( سبأ : 28 ) ، [ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ]( الأعراف : 158 ) [3] ، فهو لم ينبع من أرض عربية أو أعجمية ، ولا اخترعته أدمغة بشرية ، وإنما هو حكم الله الذي أوحى به إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغه للناس ، وليحملهم تبعة تطبيقه والعمل به ، [ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٤٤