الأعراب البسطاء ذوي الإمكانات المحدودة ؛ فإنه لا يصلح لمجرمي العصر ، حيث الإجرام المنظم ، وتوظيف التقنية الحديثة لخدمة محترفي الإجرام ، والساعين في الأرض بالفساد والظلم . وإنْ كان المقياس هو التقدم العلمي والتقني ، والتطور الصناعي والمدني ؛ فإن الذي سنّ هذه العقوبات الشرعية هو الذي منح البشرية ما وصلت إليه من العلم والتقدم ، فلا يمكن أن تكون هذه العقول المخلوقة أعلم ممن خلقها ، وأكثر منه إدراكاً لمصالح البشرية وأسباب سعادتها وأمنها !! قال الله تعالى : [ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ]( الإسراء : 85 ) ، وقال تعالى : [ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه ]( البقرة : 140 ) . وإنْ كان المقياس ضَعْفَ النفوس ورخاوتها ، والرغبة في إطلاق العنان لها للتمادي في الظلم والإجرام ، من غير رادع ولا زاجر ؛ فليس هذا بمقياس . 5 - أن تحقيق هذه العقوبات الشرعية للأمن ، وحمايتها لمصالح الناس ، ومكافحتها للجرائم ، على مدى القرون الماضية التي طبقت فيها ، مع اختلاف البيئات والثقافات والأجناس ؛ دليل على أنها تشريع من حكيم خبير ، وأنه لا يمكن أن يقوم غيرها مقامها ، ولا أن يحقق الثمرة التي تتحقق من خلالها . * الشبهة الثانية : أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على الاشمئزاز : ولا تتناسب وروح هذا العصر ، وإنسانيته ، وحمايته لحقوق الإنسان وكرامته [7] . - دحض هذه الشبهة : وهذه شبهة داحضة من وجوه : أولاً : أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور ، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة ، يقصد به الإيلام والردع : وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة ؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع . حتى تأديب الرجل ولده ؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة ، ليتأتى تأديبه وإصلاحه [8] . وقديماً قال الشاعر الحكيم [9] : فقسا ليزدجروا ، ومَنْ يَكُ حازماً فليَقْسُ أحياناً على مَنْ يرحمُ ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبداً ، حتى لا توجد عقوبات أصلاً ؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه ، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار . ولكن هذا حلم لا يمكن أن يتحقق ، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع المعاش . فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها ، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد ، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم . والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا
أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٤٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي