من ذكريات الطفولة
ذكرت ما كنا نرى في الكتاتيب أيام الطفولة، ذكرته ذكرى الأمور التافهة المضحكة، كان الأطفال يقطعون أعوادا من نبات يسمى الهيش فيصنعون أقلاما، ومنهم من كان يحمصه حتى يكمت لونه فيصنعون أقلاما تسمى أقلام البسط - وهذا النوع كان يباع في الأسواق وتتخذ منه أحسن الأقلام - وتذكرت أن الأطفال كانوا يقطعون القصب (الغاب) فيشقونه ويتخذون منه أقلاما.
وتذكرت أن كبار الأطفال كانوا يصعدون على شجر الطلح (ويسمى في مصر السنط) فيأتون بثمر يسمى العفص فيصنعون منه حبرا، وأحيانا يشترون مادة حمراء تسمى اللعل (واللعل: العقيق بالفارسية) وأخرى تسمى النفتة فيصنعون مدادا أحمر.
وذكرت أن الصبي كان إذا ختم القرآن بدأ أو عودا احتفل به صبيان الكتاب وشيخهم، وطافوا في دروب القرية ينشدون رافعين أعلاما من الحرير ملونة، هي عصائب أمهاتهم، ويمرون على الدور فيعطيهم أهلها ما يتيسر لهم من نقد أو غيره، ويكون في القرية يوم بهيج. ذكرت هذه الأمور وفي نفسي الحنين إلى الصبا، وضحك السخرية. ثم تنبهت كما يتنبه النائم أو الغافل أقول: ليس في هذا ما يضحك، ولكنها على صغرها تذكرنا بما فقدنا من عاداتنا وصناعاتنا، كنا نصنع أقلامنا ومدادنا من شجرنا بأيدينا، فاليوم يأتينا كل شيء مصنوعا مهيئا، فأي حالينا أولى بالسخرية؟! كنا نحتفل بما عندنا احتفالا نابعا من أنفسنا وبيئاتنا، كنا نسير في قرانا ومناديل النساء على جريد النخل احتفاء بختم القرآن، وكل مواكبنا اليوم وما نتخذ فيها مستعار؛ مقاصدها وصورها. ليس لنا اليوم رياضة ولا لعب ولا موكب للجد أو الهزل إلا استعارة من أوروبا، فأي الحالين أولى بالرثاء؟!
عاداتنا وألعابنا الصالحة تموت بين أيدينا لا تجد من يبقي عليها أو يدافع عنها؛ لأنها ميراثنا وكل شيء لنا حقير عندنا، ولأنها ليست من أوروبا، وليس لنا مقياس للخير والشر، وما يحسن وما يقبح، وما يهجر وما يحفظ إلا ما صنعته أوروبا.
الإثنين 15 ربيع الأول /25 ديسمبر
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
في أمثال العرب: لو ذات سوار لطمتني! وفيها أيضا: لقد ذل من بالت عليه الثعالب، وفي شعرهم:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر
ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب •••
ولو أني بليت بهاشمي
خئولته بني عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن
تعالوا فانظروا بمن ابتلاني؟!
هؤلاء اليهود نحن آويناهم وحميناهم ورعيناهم، كانت أورشليم دار الذل والصغار لهم، وكانت معابدهم مزابل في عهد الروم، فجئنا - نحن العرب المسلمين - فطهرنا المعبد، وقدسناه وجعلناه ثالث مساجد الإسلام حرمة، ورفعنا عن اليهود الأغلال، وحللنا عنهم القيود، فعاشوا في أكنافنا مغتبطين حيثما كنا من المشرق إلى المغرب. فتحنا إسبانيا فدخلوا في آثارنا وعاشوا في ظلالنا ورتعوا في حمانا، فلما خرجنا منها أخرجوا صاغرين وطردوا منها غير آيبين، وهكذا كنا وكانوا.
وقد لقوا العسف وسيموا الخسف حيثما كانوا من أوروبا، فلما دار الزمان وتغير الحدثان أقبلوا مع من أذلوهم إلى من رحموهم، يقولون: أرضنا وتاريخنا وميراثنا! اخرجوا أيها العرب. قلنا: عيشوا في كنفنا، بل عيشوا في أوطاننا كما كنتم من قبل ولكم علينا ما عهدتم من العدل والنصفة والبر والمرحمة. قالوا: ديارنا وميراثنا، وديننا وتراثنا، فاخرجوا أيها العرب، فأنتم اليوم ضعفاء ونحن بالمال والكيد، وأوروبا وأمريكا أغنياء. وكان ما كان مما لست أذكره، ولكنها ذلة لا يقبلها عربي، ودنية لا يغض عليها كريم، ونحن وهم والزمان، وسيعلمون أنه لا يزال في قلوب العرب من الإيمان والعزة ما هو أعظم من كل ما جمعت أوروبا وادعت، وكل ما كادت إسرائيل وبغت، وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون!
الثلاثاء 16 ربيع الأول/26 ديسمبر
في جامعة السند