شهدت اليوم حفلا في جامعة السند لمنح رئيس وزراء الباكستان لياقت علي خان درجة دكتور في القانون. وكان رئيس الحفل مدير الجامعة دين محمد حاكم السند، وقد شهد الحفل أعضاء السلك السياسي وكثير من الوزراء ورجال الدولة وأساتذة الجامعة وطلابها.
وكان حفلا قصيرا منظما تسيطر عليه ألسن الإنكليزية، وفيه مسحة من الاستقلال؛ فقد فتح الحفل بتلاوة القرآن، وكانت الأقبية (الأرواب) ذات ألوان خاصة وكان أعضاء الجامعة يلبسون طرابيش لها أزرار بيضاء مشربة بصفرة. حمدت أن كان للقوم بعض الاجتهاد في أمورهم، ولم أذمم محاكاتهم جامعة الإنكليز بعد طول عهدهم بالسيطرة الإنكليزية. على أن المحاكاة ليست عيبا ما لم تكن لمذلة في النفس، أو جهل، وأما من أخذ عن غيره فخارا مؤثرا فهو شريك المبتدع، على اختلاف الانطباع في الشركة. وآية الاختيار أن تجد الجامعة تأخذ وتعطي وتقبل وترد. لا ريب أني آمل أن تكون جامعات باكستان وجامعات البلاد الإسلامية من بعد أكثر استقلالا وابتكارا، توافق غيرها برأيها لا بالمحاكاة وتخالف برأيها لا بالمعاداة.
إن محنة الأحرار أن يجدوا قومهم عاجزين عن الاجتهاد في المعقولات والمحسوسات، وربما تجد أكبر الناس دعوى في العلم أصغرهم نفسا في هذا. دعوت مرة إلى أن توضع كلمات عربية معروفة في تاريخنا لتقدير نجاح الطلاب في الجامعة، فأبى إخواننا إلا الكلمات المترجمة عن الفرنسية وهي نائية عن لغتنا وتاريخنا. ودعوت إلى أن يلبس أساتذة الجامعة في الحفلات عباء مختلفة الأشكال بإشارات، فلم يأبه أحد بهذه الدعوى وآثروا أن يلبسوا أثواب الكهان محاكاة لجامعات أوروبا.
الأربعاء 17 ربيع الأول/27 ديسمبر
العالم الهائل
الفكر لا يسكن ولا يفتر، ولا يرضى بمجال ولا يؤمن بمحال، فهو دائم الطيران في الزمان والمكان، مستمر في الانتزاء بين الأرض والسماء.
يصعد الفكر محلقا، خافقا ومرنقا، يخترق الأفلاك، ويجاوز السموات، فيروعه المنظر الرافع، والمجال الهائل، والعالم المنبهم، والسر المستعجم. ويرى غاية ولا نهاية، فيهبط مرتاعا عييا مجهودا، يلوذ بالزمان المحدود والمكان المرود، كما يفزع الطائر إلى عشه حيث تعصف به الريح أو يغلبه المطر ويلقى ما يهوله من حادثات الجو، أو آفات الأرض.
فإذا استردت النفس فكرها الطائر، كما يسترد الصائد صقره المعلم فاستراح حينا واستجم قليلا، عاد يحاول المجال الفسيح ويطير على متن الريح، ثم يصعد إلى حيث أعيا وارتاع، وخفق فأخفق فيهبط إلى عالمه ويأوي إلى عشه، مفكرا في نفسه فيؤديه التفكير في النفس إلى عالم واسع هائل يصله بالعوالم التي راعت، بل يجد هذه العوالم مطوية فيه. هكذا إقدام وإحجام وطيران ووقوع وتحليق وإسفاف.
لا حرج على الفكر أن يطير ويحوم ويعلو ويسفل ما لم يهجم على ظنن كما لم تهيأ أمور وسائله، أو يخاطر باعتقاد لم تستوف مقدماته. وليذكر كل حين أنه لا يعرف ما في حجرة لم يدخلها على قربها منه ودخول أمثالها ومعرفة ما يتصل بها.
إن طيران الفكر على غير هدى ركم على العقول أخيلة من الفلسفة وأوهاما، وإن طيران الفكر المرتاد المتأمل المتثبت، هدى للناس إلى عوالم العلم والعمل.
الخميس 18 ربيع الأول/28 ديسمبر
الله يكفيه شر الناس
في حديقة تجاور دار السفارة المصرية في كراتشي، سدرة تشرف على هذه الدار وتتدلى فروعها عليها، وتمتد بعض الأغصان إلى نافذة مسكن فيها.
كثيرا ما نعمت برؤية حيوان يسمى گلهري يشبه السنجاب، ولكنه أصغر جسما وأقصر ذيلا، وهو حسن المرأى سريع الحركة كثير التصويت كأن صوته شقشقة عصافير.
وأنا أفرح لمرأى هذا الحيوان ناعما على غصون السدرة، آكلا من ثمرها يمد يده فيقتطف الثمرة ويقفي فيأكلها، وأضحك لسرعتة ونشاطه، واختلاف أفراده عدوا وهبوطا وصعودا.