فإن قال قائل اليوم: إن العالم روح كله، وإن المادة كما أدركها القدماء لا توجد، لم يكن بعيدا من تجارب العلم. ولا ندري ماذا يكشف عنه العلم والفكر من بعد، ولعل يكشف عن البشر فيروا عيانا أو اعتقادا ما كفروا به من قبل، ولكن سنة الله في العقول أن تطلب فتدرك، فتطلب فلا تقف عند غاية، ويقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال:
فإن يكشف عن الأسرار ستر
رجعت إلى لعل وليت شعري
الأربعاء 10 ربيع الأول/20 ديسمبر
صناعة الكلام
كثيرا ما أرى أناسا يحضرون محافل، ويكلفون بالتكلم فيها ويطيلون إذا تكلموا، ويعرفون بين الناس، فيدعوهم أصحاب الحفلات الخطابية إليها، كما يدعى قارئ أو مغن، ويفرحون هم بهذا، ويستجيبون للدعوة، ويزهون بالصيت فيزيدون كلامهم طولا، ويصير الكلام صناعة لهم، والخطابة عادة عندهم فهم متأهبون للكلام في كل أمر، والانتصار لكل رأي إذا دعوا إلى الكلام فيه.
وهؤلاء جماعة انقطعت الصلة بين قلوبهم وألسنتهم، وبين الحق وأقوالهم، يصيبون الحق أحيانا كما يقولون الباطل لا انتصارا له؛ ولكن لأن المقام يقتضيه.
وآفة الناس، وآفتنا نحن خاصة، إرباء الكلام على الفعل وانقطاع الصلة بين القلب واللسان، ومن غفلة الأقوال عن الأفعال عاش ثرثارا لا يوازن كلامه، يضل الأغرار ولا يهدي أحدا.
شهدت محافل كثيرة تكلم فيها الخطباء عن الإسلام ودعوته إلى الحرية والإباء وسموه بالنفس عن الدنايا، ثم نظرت فإذا أعمالهم لا توافق أقوالهم ولا تقاومها. وسمعت ناسا يذكرون الأخلاق ويشيدون بها، ويرثون للمفرطين فيها ثم لم أجد أخلاقهم تشبه كلامهم. وسمعت من ينتصر لحزب أو حكومة ابتغاء منفعته أو احتفاظا على منفعته، ثم يسلقون من نصروهم بألسنة حداد حين تزول المنفعة في نصرهم، أو تلوح من يد آخرين منفعة أربى منها. والذين تكذب أفعالهم أقوالهم، لا يصدق أقوالهم أحد، ولا يعمل بها أحد، ثم يبقون مثلا للنفاق، ودعوة إلى سوء الظن بالأخلاق، فيجنون على الأخيار الذين تصف أقوالهم أفعالهم، وتصدق أفعالهم أخلاقهم.
الخميس 11 ربيع الأول/21 ديسمبر
الإنسان لا يعرف صوته
قرأت في لطائف عبيد الزكاني الشاعر الفارسي الهجاء الفكه، أن رجلا رؤي يؤذن وهو يعدو، فقيل له في هذا فقال: يقال إن صوتي من بعيد حسن؛ فأنا أعدو لأسمعه من بعيد.
وقد تحقق للناس سماع أصواتهم من بعيد اليوم بتسجيل الصوت، وقد تبين لكل من سمع صوته أنه غير الصوت الذي يسمعه من فمه، ولكن غيره يعرفون أنه صوته الذي يسمعونه. وتبين من هذا أن الإنسان لا يسمع صوته كما يسمعه الناس؛ أي لا يعرف صوته، أي أنه لا يسمعه من بعيد. ويمكن على هذا القياس أن يتبين للإنسان بإحدى الوسائل أنه لا يرى الأشياء على حقيقتها، أو لا يلمسها على حقيقتها. ربما يكشف الغطاء عن أمور كثيرة فتبدو على خلاف ما يحسبها الإنسان، كما كشف العلم عن حقائق كثيرة تخالف ما ظن الإنسان أو توهم. وكما اخترع وسائل للسمع والرؤية أسمعت الإنسان ما لم يكن يسمع، وأرته ما لم يكن يرى، وربما يكشف الغطاء عن درجات من العلم أعلى مما يسعه عقل الإنسان. وكما يتدرج العقل من الغبي الجاهل إلى الذكي الفيلسوف يتوالى الدرج بعد الفيلسوف إلى غاية بعيدة أو إلى غير غاية.
ينبغي للإنسان ألا يهجم على النفي، وأن يتثبت بالإثبات، وأن يتواضع في طلب المعرفة ويستمد المعلم الأعلى سبحانه وتعالى، ويتوجه إليه، ويتعرض لفيضه.
إن من آفات الجاهل أن يحسب نفسه عالما؛ إذا كان العالم في فكره ضيقا لا يحاط به. ومن آيات العالم أن يدرك أن ما علم لا يقاس بما لم يعلم فيذكر دائما
وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، ويتلو:
وقل رب زدني علما ،
وفوق كل ذي علم عليم ،
ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله . نسأل الله العليم الحكيم أن يزكي عقولنا ويطهر نفوسنا، ويعدنا للعلم ويعلمنا، ويهدينا إلى العمل بما نعلم والنفع بما نعمل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.