تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو أن نسرا ونملة عزما على أن يبلغا قمة جبل عال، وتحركا معا، لبلغ النسر في بضع دقائق ولحقت به النملة بعد ساعات، وإن تلبث النسر في الطريق، ولها عن قصده، فعسى أن تبلغ النملة قبله. ولعلك تذكر قصة السلحفاة والأرنب، وتعلم لأيهما كان الغلب، الإبطاء الدائب أسرع من الإسراع المتقطع، وفي الأثر: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. إن الذي يكتب عشرة أسطر كل يوم دأبا، أفعل من الذي يكتب يوما مائة سطر، ويفصل الإهمال والنسيان كتابته.

ثم نعود إلى الخيل البلق، والحمير العرج، الخيل أقوى وأعلى وأجمل، ولكنها ليست أسرع على طول السير ولا أصبر. وهب أن حصانا سار طريقه كلها عدوا فبلغ، وحمار أعرج في أول الطريق، فإن دأب الحمار وصبر أدرك الحصان بعد قليل.

الغاية والطريق والمسير، هي حياة الإنسان على هذه الأرض، ومن عرف غايته وطريقه وسار أفضى به السير إلى مقصوده، لا فرق بين قريبه وبعيده.

الإثنين 8 ربيع الأول /18 ديسمبر

مدرسة صغيرة

دعيت اليوم إلى زيارة مدرسة للأطفال في كراچي تشرف عليها جماعة صغيرة وتديرها سيدة من مهاجرات حيدر آباد، فوجدت بناء غير مسور: ثلاث حجرات تقابلها مثلها. وقرأت على أبواب الفصول ألفاظا وضعتها المديرة، مثل القسم الأول من المملكة، والقسم الثاني ... إلخ. وقرأت على فصل: قواد المملكة؛ وهو فصل الأطفال الكبار، ورأيت حجرة يجلس تلاميذها على بسطة نظيفة لا على كراسي، وحجرا فيها مقاعد عالية للأطفال، والطلبة نظاف، أصحاء، والإناث أكثر من الذكور، وأسماؤهم عربية وبعضها فارسي، تلوح عليهم سيما الذكاء. وأنشد بعض الأطفال نشيدا بالأردية وآخر بالعربية؛ هو الأبيات: طلع البدر علينا، من ثنيات الوداع ... إلخ. وقلت حين سمعت النشيد العربي بعد الأردية: إنكم لم تبعدوا من لغتكم كثيرا حين أنشدتم العربية، فالأردية مملوءة بألفاظ عربية، والعربية لغتكم الأولى أو الثانية.

ودعينا إلى شاهي وفاكهة، وكان معي وزيرا المملكة السعودية وسوريا عبد الحميد الخطيب وعمر الأميري، وتكلم أحد قوام المدرسة عن الأخوة الإسلامية، وعن المدرسة، وقال: إنها صغيرة كما ترون. قلت: يا صاحبي لا يرعك الصغر، فما أحد يولد كبيرا وإن عظماء الناس كانوا أطفالا، والنخلة السحوق كانت نواة، والمسلمون كانوا نفرا قليلا أول عهد الناس بالإسلام، وإني لأتفاءل للعمل يبدأ صغيرا فأراه يسير على سنن الطبيعة. يا صاحبي لا يهمك أن يكون عملك صغيرا ولكن اهتم أن تجعل فيه بذور الكبر، أن تجعله صحيحا ناميا كالجسم الصحيح، فإنه لا محالة يكبر ويعظم. اجعل الكبر والعظم مضمرين في مدرستك ومقصودين في محلك، ثم انتظر كبرها وعظمتها، بل لا يضير مدرستك أن تبقى على صغر بنائها وقلة تلاميذها ما كانت كبيرة في معناها، مؤدية العمل الذي يراد بها خير أداء، فذلك هو الكبر لا ضخامة البناء.

الثلاثاء 9 ربيع الأول/19 ديسمبر

المادة والروح

تكلم الفلاسفة والباحثون منذ القدم في المادة والروح، فمال فريق إلى إنكار الروح وقالوا: العالم مادة ومظاهرها لا شيء فيه غيرها. وقال آخرون: بل في العالم روح مستقلة عن المادة تتصل بها فتدبرها كما يتصل روح الإنسان بجسمه فيصرفه، والروح غير الجسم لا محالة. ومن الناظرين في هذا الأمر من قالوا: إن الروح والمادة متصلان لا يفترق أحدهما عن الآخر، وهم القائلون بوحدة الوجود، فالمادة كانت أمرا مجمعا عليه، وكان الاختلاف في الروح؛ وجودها وعدمها، وانفصالها واتصالها.

وقد بحث العلماء المحدثون في المادة فانتهوا إلى ذرات وكهارب تتجاذب ويدور بعضها حول بعض، وانتهى تحليل المادة إلى قوة، فقد انتهت المادة إلى الروح. وقد ألهم هذا بعض الصوفية المتقدمين فقالوا: إن في الذرة شمسا، إن الذرات في اضطراب وحنين مستمر إلى مكونها.

الشوارد · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٩٦