لا حرج أن يتولى الإنسان ولاية بعلمه، بل لا ضير أن يطمع فيها ويسعى بالحق لها؛ ولكن الحرج كل الحرج والضير كل الضير أن يكون المنصب غاية علمه، ونهاية أمله، ومنتهى سعيه، وآخر همته.
الجمعة 5 ربيع الأول/15 ديسمبر
أخرجنا على خير
سمعت امرأة تذكر آفات الحياة وتنازع الناس وتقاتلهم، وما ينذر الناس من الحرب والدمار، وختمت كلامها قائلة: ربنا يخرجنا منها على خير. قلت: لماذا لا تدعين أن يبقينا فيها على خير، إن الدعاء بصلاح الناس وطيب العيش في هذه الدنيا خير من الدعاء بخروجنا منها، إننا هنا للجد والكدح، والإصلاح والتعمير، ونصرة الخير جهد الطاقة، ودفع الشر وسع النفس، لا لننتظر الخروج، وفي هذا الجهاد سعادة على ما فيه من نصب. والحياة لولا الجهاد لا لذة فيها؛ انتظار لا متعة فيه، وركود ممل، وخمود أشبه بالموت. لولا الأمل والعمل ما رغب الناس في الحياة، ولا طاب لهم العيش. فهذا الجهاد عبادة وأي عبادة، وإن فيه لخير الآخرة والأولى. فلنأمل ولنعمل، ونبسم لعبوس الدنيا، ونرض لسخطها، وننشط للكفاح فيها. إن آفات الطبيعة كثيرة، وقد زادها الإنسان لشقائه، ورحم الله أبا الطيب:
كلما أنبت الزمان قناة
ركب المرء في القناة سنانا
ومراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانى
ولو تعاون الناس على دفع الآفات، واقتحام العقبات، لذللوا كثيرا من صعاب الحياة، ويسروا كثيرا من عسرها، ولكنهم يزيدون عليها حتى ليشفق الناس اليوم من أفعال البشر أكثر مما يشفقون من الآفات الطبيعية، وحتى يتمنى بعض الناس أن يخرج من الدنيا على خير، يرى الموت أهون عليه من هذه الحياة، والفناء أسلم من هذا البقاء، لا لا فلنرقب الخير ولنعمل له، ولنكدح في الحياة طالبين خيرها دافعين شرها غير يائسين من روح الله؛ فعسى أن يهتدي الناس إلى الحق والخير ويتعاونوا على الصلاح والبر، ويعمروا الأرض ليسعدوا بعمرانها.
السبت 6 ربيع الأول/16 ديسمبر
أصحاب الأيادي المغمورون
كثير من الأشياء كانت نعمة على الحضارة، وخيرا للإنسان، ولا يقدرها الناس قدرها، ولا يعرفون منشئها. تبدو هذه الأشياء يسيرة هينة، يسرها الإلف وهونها ابتذالها، فلم يفكر الناس في اختراعها. والاختراع صعب حتى في الأمور السهلة، من اخترع للناس المغزل فهداهم إلى الغزل والنسج؟ ومن صنع لهم الإبرة وعلمهم الخياطة؟ مثل هذه الأمور الضرورية للبشر، هدي إليها في بلاد كثيرة بالوجدان، بالإلهام الهادي للناس في كل العصور والأوطان، ولكن ناسا كان لهم فضل البدء أو فضل الإتقان والإحسان وهم لا يعرفون ولا يذكرون. ومن هذا الذي صنع إبرة المغناطيس فذلل البحار للناس ويسر للبشر الاتصال والانتقال على سطح البحر بين الأمكنة المتنائية؟ قس على هذه أمورا كثيرة يحسبها الناس هينة وهي عظيمة.
فكرت في هذا حين رأيت ورقة مسطرة توضع تحت الصفحات غير المسطرة فتبين سطورها فتغني عن تسطير الصفحات، قلت: لا ريب أننا عشنا زمانا؛ نفضل أن نكتب على ورق غير مسطر، ولكن نخشى اعوجاج الأسطر فنكتب على ورق مسطر أو نرضى باعوجاج يسير في الكتابة، ونظر بعض الوراقين فاهتدى إلى أن يصنع ورقة سميكة مسطرة تحت الصحف، فيسر صعبا وأراح الناس، ولكن هذا يبدو للناس أمرا أمما أو تافها لا يستحق أن يذكر، وهو عمل نافع لا يلده إلا فكر ونظر. وقس على هذا كثيرا مما ترى من نتائج الصناعة التي يخفى خطرها ليسرها وسهولة تداولها. لو حرم الناس الإبرة سنة لقدروها قدرها، ولو حرموا الأزرار والدبابيس حينا لجهدوا في طلبها وتحصيلها وغالوا في أثمانها.
إن هذه الأشياء كالماء هينة حين توجد، عزيزة حين تفقد.
الأحد 7 ربيع الأول/17 ديسمبر
إن كنا على الطريق
قال أحد الصوفية لصاحب له: «إن الذين قبلنا مضوا على خيل بلق، وبقينا على حمير عرج.» فأجابه: يا أبا عبد الله إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. نعم، إن عرف الإنسان الغاية، واستقام على الطريقة، فهو بالغ غايته لا محالة، بل بالغ غايته سريعا إن دأب على المسير، ولم يحد عن الطريق. إنما يعوق الناس عن مقاصدهم، اضتلال الطريق، أو القعود عن السير، أو الانقطاع عنه، فمن عرف غايته وسبيله وسار ولم يقطع فما أقرب غايته وإن نأت، وما أسهل طريقه وإن صعبت.