تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدثت مرة كبيرا من أدبائنا في هذا، فضحك وقال: لا تخف لن يخلو تاريخ العالم من الغزاة المخربين المدمرين الذين يعفون على الحضارة وآثارها فيعفون الناس من طول العناء في التحصيل والبحث. قلت: رحم الله المتنبي:

أشد من السقم الذي أذهب السقما

وحسبت قول أستاذنا الأديب فكاهة حينئذ، ولكني أنظر اليوم فأرى ثمرات الحضارة تهدمها، ونتائج العلوم تمحو ما شادته العلوم، والعالم يقتل بعضه بعضا، ويدمر بعضه بعضا، فليس بعيدا أن تفنى هذه الحضارة أو يزول كثير من نتائجها في العلم والأدب، فلا يشق على الناس طول البحث والضبط والتسجيل. أفزعني هذا التفكير وأضحكني، فقد ذكرت قول أستاذنا وهو يخفف عني الهم بأن الحضارة زائلة فلا يرعك التفكير في حفظها. قلت: ليتها تدوم وتتسع حتى يعجز البشر عن الإحاطة بها، فلن يضيرهم هذا العجز.

الأربعاء 3 ربيع الأول/13 ديسمبر

حركة الجسم وحركة الفكر

الإنسان في حركة لا تفتر، الحياة حركة لا سكون فيها؛ حركة في الفكر ظاهرة أو خفية، وحركة في الجسم مرئية وغير مرئية. فالفكر إما في حقيقة أو خيال، وإما في جد أو هزل، لا يفتر عن العمل. والجسم كذلك يعمل ويسكن، ولكن دمه وعروقه وقلبه ورئته لا تستقر إلا بالموت.

وأحيانا يشغل الجسم بالفكر فتسكن جوارحه، وأحيانا تشغله حركات الجوارح عن التفكير في غيرها فلا يذهب بعيدا عنها، وإذا تركنا جانبا الحركات الباطنة، وقصرنا النظر على الحركات الفكرية المدركة، وحركات الجوارح الظاهرة، رأينا أن الفكر لا يعمل في أمرين معا. وقد قيل في المثل: صاحب بالين كاذب، ولا يجمع الجسم بين حركتين مختلفتين في وقت واحد. ولا يجمع الإنسان بين حركة الفكر وحركة الجسم كذلك، إلا أن تكون حركة الجسم عادية آلية، كالمشي وترديد اللسان ما يحفظه، حينئذ تجتمع هذه الحركة وحركة أخرى جسمية أو عقلية. والإنسان يفكر وهو يمشي، ويدخن وهو يسير، وكذلك يفكر أو يعمل وهو يتلو ما يحفظ، وربما سار الإنسان قارئا وهو يحرك يديه أو يفكر؛ إذ كان المشي والقراءة حركتين آليتين لا تشغلان الجسم ولا العقل عن غيرها.

هكذا إذا عمل الفكر سكن الجسم؛ وإذا تحرك الجسم حركات غير آلية لم يشغل الفكر بغيرها. لا أقول سكن الفكر فإن الفكر لا يسكن، فكثير التفكير قليل الحركة، وكثير الحركة قليل التفكير، واعتبر هذا في الأطفال والكبار؛ الأولون يتحركون دائما، والآخرون يسكنون على قدر ما يفكرون، وقس على هذا ما ترى من ثرثرة في الكلام وقلة، وطيش في الحركات وتؤدة.

الخميس 4 ربيع الأول/14 ديسمبر

العلماء والمناصب

كان من سنن المسلمين الأولين أن طالب الولاية لا يولى، رأوا أن الولاية واجب خطير، وعبء كبير، لا يرغب فيه الإنسان ابتغاء منفعته، ولكن يقبله قياما بالواجب، وتأدية للأمانة. ثم الولاية سلطان وجاه، وتمكين من المال والدنيا لمن أرادهما، فإن طلب الإنسان ولاية لنفسه فهو مظنة أن يريد منفعته بها، وأن ينظر إلى الجانب السيئ منها، فلا يمكن مما يريد.

ومن العلماء الأولين من رغب عن الولاية، ومنهم من حمل عليها كرها ، ومنهم من ردها فأوذي فيها فأصر على إبائه.

وكان العلماء ينفعون الناس بعلمهم وينفعون أنفسهم بعمل يعيشون به، فما كان العلم وسيلة إلى منصب، أو لم يكن المنصب مطمح أولي العلم. لم يكن التعليم في مدارس لها سنون يفضي بعضها إلى بعض، ولكل مدرسة شهادة ولكل شهادة قيمة من المال، وكل داخل مدرسة يبغي الشهادة وما عداها أمم، فكل متعلم طامع في منصب، وكل عالم صاحب منصب أو طالبه.

لما أنشأ نظام الملك المدارس قامت قيامة العلماء وخشوا أن يكون ما فيها من رزق داعيا أن يطلب العلم ابتغاء المال. فقد طلب العلم للمناصب، وأريد للمال، فقدر بقدره، وهم الطالب أن ينال الشهادة فالمنصب، فما أدى إليهما من العلم فهو حسبه، بل لا يبالي أن ينال شهادة بغير ما تشهد به من العلم، إلا قليلا يطمحون إلى العلم، ويشغفون به، فلا يقفون فيه عند غاية، ولا يقيسونه بمال أو ولاية.

الشوارد · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٩٤