تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والناس لا يقدرون العافية ما داموا فيها، كالماء لا يقدره إلا فاقده، فهو كما قيل: أعز مفقود وأهون موجود. فمن رزق العافية الشاملة فما سواها لعب في الحياة ولهو، إن ناله لها به ولعب، وإن لم ينله لم يكن حريا أن يأسى عليه. واعتبر هذا بالمريض يهون عليه كل شيء إلا الصحة، وكل ما يعده متاعا في المعيشة أو جاها أو سلطانا، قليل حقير في جانب صحته، وما الصحة إلا بعض العافية.

العافية هي براءة الإنسان من كل ما يكره، وعلى الحقيقة براءة الإنسان من كل ما يكره العقلاء. فإن أسى بعض الناس على ما فاته من كنز الأموال وسعة السلطان فأخل هذا بعافيته لم يخل هذا بعافية العاقل، إنما يخل بالعافية فوات الصحة في البدن أو الكفاف في القوت أو الأمن في الجماعة أو السلامة في الخلق، أو فوات أحد هذه في الأهل والولد والأقرباء، فمن رزق العافية في هؤلاء لم يكن أساه بعد إلا نقصا في عقله، ولم تختل عافيته إلا بهذا النقص، فهو في حاجة إلى أن يعافى منه.

فكرت فيما يحيط بالإنسان من آلام وآمال، وما يغريه من سمعة وبسطة في الرزق وسعة في الجاه، ومررت على مطامع الناس وأهوائهم وما يعبدهم من الأحقاد والشهوات، فاستعذت بالله. فوجدت أمنع ما أمتنع به وأعز ما ألوذ به وأعوذ، أن أسأل الله العافية في الدين والدنيا والآخرة، والعافية من كل ما ينقص هذه العافية من آفة في الرأي وخلل في الفكر.

الإثنين 1 ربيع الأول/11 ديسمبر

عارية

كثيرا ما قلبت كتبا مخطوطة عليها أسماء من ملكها جيلا بعد جيل؛ تدخل في ملك إنسان فتخرج إلى ملك غيره، حتى لتجد الأسماء المتوالية تاريخا للكتاب، أو عبرة للمعتبر، أو رثاء للبشر. وكنت أجد هذه الكلمة على كتب فارسية وتركية قديمة فتبلغ من نفسي، ويطول فيها تأملي. كثيرا وجدت أصحاب الكتب يتورعون عن أن يسموا أنفسهم مالكين، ويدركون حقيقة الملك في هذه الدنيا، فيكتبون: «نوبت عاريت بما رسيد»؛ أي بلغتنا: نوبة العارية، يعنون أن الكتاب، ككل شيء في هذه الدنيا عارية مستردة. كان الكتاب عارية في يد من سبق وتداوله المستعيرون واحدا بعد واحد، حتى جاءت نوبة العارية إلى فلان، وهي حقيقة لا ريب فيها.

كثيرا ما أفكر في الأرض يملكها الإنسان والدور يقتنيها، فأقول: إنها أبقى من الإنسان وأقدم، كانت قبله وتبقى بعده، ويمر بها هو ويزول، فكيف يملك الإنسان ما هو أثبت معه على الحادثات وأبقى؟ إنها عوار يبتلى الإنسان بحيازتها والتصرف فيها، فليجتهد أن يتخذها وسيلة إلى الإصلاح والعمران، والمواساة والإحسان، فهي أمانة يسأل عنها وابتلاء يجزى به. إنه مستعير لا مالك، فليس مخيرا في الإساءة والإحسان والجد والكسل والرعاية والإهمال، فليتخذها فرصة لعمارة يجدها، أو مبرة يصطنعها، أو يد يتخذها عند من يستحقها من الناس. إنه لا يملكها فليحذر من أن تملكه هي فتستعبده، وليذكر الآية الكريمة:

آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه

والآية

هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه ، وليذكر الحديث: «ليس لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت»، والله ولي الهدى والتوفيق.

الثلاثاء 2 ربيع الأول/12 ديسمبر

تاريخ البشر

حدثتني نفسي عن تاريخ البشر؛ سياستهم وعمرانهم ونتاج أفكارهم في العلوم والآداب: كيف يحاط به فيكتب مجملا أو مفصلا إذا امتدت العصور وتوالت الأجيال؟ نحن نقرأ تاريخ العرب مثلا، وهو تاريخ عصور لا تبلغ ألفي سنة، ولم يكن للناس في هذه العصور من وسائل الضبط والتسجيل ما لهم اليوم، نقرأ هذا التاريخ فإذا هو طويل متشعب، فكيف إذا مضت آلاف السنين والناس على دراستهم وتسجيلهم وازديادهم من النظر والعلم؟ قلت: لعل وسائل التسجيل والترتيب التي نراها اليوم أو خيرا منها، تيسر للناس الاطلاع على ما يرغبون، وتعفي الإنسان من مشاق الحفظ والذكر، وتقليب الصحف والدرس! ولكني لبثت بعد مشفقا من التفكير في ميراث الأمم من العلم والأدب والصناعة، كيف تحفظ إذا استمر العمران وطالت العصور.

الشوارد · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٩٣