قضية أعرضها على الأدباء وعسى أن أتناولها في غير هذه الخواطر.
الجمعة 28 صفر/8 ديسمبر
أمل الإنسان وعمله
أمل الإنسان يذهب مع خياله غير محدود بالحقائق، أو يسير مع شهواته غير موقوف بالعوائق. والعمل رهين بقوة الإنسان وقدرته، وعرضة للعقبات والعوائق من الطبيعة والبيئة التي يعمل فيها. ثم الأمل يتصل بالأمور البعيدة التي لا تستبين أحوالها، ولا توزن مقاديرها فيخالها الإنسان ممكنة، بل يحسبها يسيرة، فإذا حاول العمل وجد ما يتصل بهذه الأمور من أحوال وما تحتاج إليه من كد، وما لا بد منه من وسائل وسبل، فبانت مسافة الخلف بين التفكير والتجربة، بين الحسبان البعيد والحسبان القريب، بين الأمل والعمل. وكثيرا ما يكون إخلاف الوعد من هذا، يعد الإنسان صادقا يريد أن يفي بوعده، فإذا حان الإنجاز بدا له ما لم يحتسب؛ تضن نفسه، أو يجبن قلبه، أو يخور عزمه، أو يتعسر عليه الفعل.
وكثير من شقاء الناس يرجع إلى بعد المسافة بين الأمل والحقيقة، فيأمل الإنسان الكثير والبعيد والشاق، ثم لا يحصل إلا القليل القريب اليسير. لا بأس على الإنسان أن يطمح إلى البعيد ويأمل الصعب في غير غلو ولا غفلة عن الأحوال والشروط، وعليه ألا يبتئس إذا قصر العمل وخاب الأمل، ما لم يكن التقصير والخيبة إهمالا أو تهاونا أو تضييعا للفرص، أو حيدا عن السبل الواضحة، والمنهاج القويم.
السبت 29 صفر/9 ديسمبر
حقوق الإنسان
دعيت اليوم إلى حفل في كراچي في فندق مثربول، ذكرى لاتفاق الأمم على حقوق الإنسان منذ سنتين. وكان رئيس الحفل الأستاذ عبد الحليم وكيل جامعة السند، فتكلم عن حقوق الإنسان كما نادت بها هيئة الأمم، وقال: إننا معشر المسلمين نعرف حقوق الإنسان وقد نادينا بها من قبل. وذكر قصتين: قصة عمر مع عبد له نصراني جادل الخليفة في الدين وبقي على دينه، ولم يسلم حتى مات عمر، والثانية قصة الخليفة في ذهابه إلى بيت المقدس وتعاقبه هو وخادمه على جمل، ثم إباء الخليفة للصلاة في الكنيسة؛ لئلا يأخذها المسلمون من بعد. وتكلم عن الآية:
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي . وتكلم المندوب السامي لسيلان الدكتور جايا، فذكر تأييد المسلمين لحقوق الإنسان كذلك. وتكلم سفير فرنسا وكانت كلمته مكتوبة بالإنكليزية، فأكثر الكلام عن حقوق الإنسان في فرنسا. وتكلم المدعي العمومي في باكستان فلم ينس أن يذكر تأييد الإسلام لحقوق الإنسان، وتلا الآية:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .
قلت: هنا أمران؛ الأول: عناية أهل باكستان بالإسلام وذكره في المجامع الدولية غير خائفين ولا خجلين كما يخاف ويخجل غيرهم من المسلمين، وهي شجاعة يحمدون عليها، ثم هم على اختلاف أعمالهم يتكلمون عن الإسلام تكلم العارف الدارس.
والثاني: أن حقوق الإنسان معروفة نصرها الإسلام، وأقرتها شرائع كثيرة، ولكن أغفلت أو نسيت أو جهلت في الأعمال، أو خفيت في خداع الساسة، أو غلبت في طغيان المسيطرين. وإنما جهاد الناس اليوم لتنفيذ ما اعترفت به الشرائع، وتوضيحه وتحديده، وكفالته وحمايته، وتلكم أمور عظيمة يود كل إنسان أن توفق هيئة الأمم إليها.
الأحد 30 صفر/10 ديسمبر
العافية
كلمة جامعة محبوبة مباركة، من ظفر بها فقد ظفر بالحظ الأوفر. بها يطيب كل شيء لمن ذكرها وقدرها، ويهون كل ما عداها. في قصص الحجاج أنه دعا في برية أعرابيا إلى طعامه فقال أنه صائم، فقال: إنه طعام طيب، فقال: ما طيبه خبازك ولا طباخك؛ ولكن طيبته العافية. وسمعت من الكلام المأثور: نعم الإدام العافية؛ أي أن الإنسان المعافى لا يحتاج إلى إدام الخبز، بل يلذ أكله حافا بالعافية. وأشمل العافية ما جاءت في الكلمة الجامعة: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.