ألا إن قوام كل أمر، فكر وجزم، وهمة وعزم، وليس بعد هؤلاء إلا سبل مذللة، وغاية مكثبة، وصلة المقدمات والنتائج، والغايات والوسائل. وآفة الأمور عقل نائم، وفكر غير حازم، وهمة كليلة، وعزيمة عليلة، وتردد ينقض كل فكر، ويحل كل عزم، ويعطل المقدمات، ويحول بين الوسائل والغايات.
الأربعاء 26 صفر/6 ديسمبر
الفكر والذوق في اللغة
يتعلم الإنسان لغة، فيحفظ من ألفاظها، ويعرف من تراكيبها، فيستطيع أن يفهمها حين يسمعها أو يقرؤها، ثم يمرن على التكلم بها، وربما يقرأ اللغة ولا يستطيع أن يتكلم بها. رأينا كثيرا من المستشرقين يقرءون اللغة العربية نظمها ونثرها ولا يقدرون على النطق بجمل منها، ورأينا من علماء المسلمين من يقرأ القرآن ويفهمه ويعرف نحو العربية وصرفها، ولا يستطيع التكلم بها. وقد سمعت من بعض أهل إندونيسيا تسمية هذا الضرب من معرفة اللغة
Passif
قاصرا.
فهذا في اللغة طور الفكر؛ يحفظ الإنسان مفردات وتركيبات فيذكرها حين يحتاج إليها والفكر فيها غالب على الصنعة.
وطور آخر في اللغة أن يمرن الإنسان عليها كلاما وكتابة، فتواتيه ألفاظها وجملها حين يتكلم أو يكتب دون عناء في التفكير والتذكر، فتنتقل اللغة من طور الفكر إلى طور الصنعة ومن العقل إلى العادة، وهذا الطور درجات.
والطور الثالث في اللغة طور الذوق، يميز الإنسان بين كلمة وكلمة في الجملة، وموضع وموضع للكلمة، وبين جملة وجملة في السياق، فيؤثر واحدة على أخرى وكلتاهما جائزة في اللغة؛ متنها وقواعدها. فلا يكون الإيثار بالرجوع إلى القواعد، ولكن بالذوق. وربما يعرف الإنسان لغة ويدرب عليها كلاما وكتابة، ويمرن فيها سنين كثيرة ولا يبلغ هذا الطور، يكتب لغة صحيحة فيقول أهل الذوق في اللغة: دع هذه الكلمة وضع هذه مكانها، بل يضحكون من كلمة وضعها وهو لا يدرك مكان الضحك فيها، وهم لا يعرفونه إن سألهم، ولكنه الذوق.
بل أهل اللغة الذين ولدوا فيها ونشئوا عليها يختلفون في تذوقها، فبعضهم في هذا يفضل بعضا درجات من الفضل لا تنتهي، وفي هذا سر البلاغة الخفي وميزانها السحري.
الخميس 27 صفر/7 ديسمبر
الشاعر في لغتين
قرأت لشعراء من الفرس شعرا عربيا: قرأت لهم قصائد وأبياتا مفردة وأشطارا في ثنايا قصائد فارسية، فإذا شعرهم العربي وسط أو دون الوسط، وهم من الشعراء العظام في لغتهم. قرأت لحافظ الشيرازي أبياتا متفرقة ولجلال الدين الرومي وغيرهما، وقرأت قصائد عربية للشيخ سعدي الشيرازي، وهو من هو مكانة بين شعراء الفارسية، إنه يعد من أنبياء الشعر الثلاثة.
قلت: هذه قضية تتصل بالقضية الكبرى التي ثار فيها الجدال بين نقاد الأدب العربي: آلبلاغة في المعاني أم في الألفاظ؟ ولا تتسع كلمتي هذه للدخول في هذه القضية، وتحرير موضع النزاع فيها، كما يقال في أدب المناظرة. ولكني أقول هنا: إن المعاني التي تجول في نفس الشيخ سعدي لا تنقسم بين معان عربية ومعان فارسية، وقدرته على ابتكار المعاني أو جمعها واحدة، ولكنه حين يعبر بالفارسية شاعر مبرز، وحين يعبر بالعربية شاعر من سواد الشعراء، فلولا أن البلاغة كلها أو بعضها ترجع إلى الصوغ والتعبير، وكان أمرها كله يرجع إلى المعاني، ما اختلف كلام الشيخ سعدي بين العربية والفارسية. لقائل أن يقول: إن البلاغة في المعاني ولكن لها موسيقى لا تتم إلا بلفظ شعري مألوف في اللغة التي يعبر بها، كما يختلف تأثير النظم والنثر لمعنى واحد في لغة واحدة. وهذا لا يفصل في القضية، فلا يزال أمامنا معنى يعبر عنه تعبيرا بليغا في لغة، وغير بليغ في لغة أخرى؛ لاختلاف مهارة الشاعر وذوقه في اللغتين، وسواء أسميت هذا الذي يشترط في اللفظ ليكون الكلام بليغا، بلاغة أو موسيقى البلاغة، أو شرطا من شروط البلاغة.