تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأدع المصائب الكبيرة التي جلبتها هذه الحضارة التي يتحدث الناس عنها كل حين، وأقول في أمور تبدو صغيرة، ولكن لها في حياة الإنسان آثار كبيرة؛ هذه الضوضاء المحيطة بالناس في ليلهم ونهارهم، من القطارات والسيارات وأشباهها، ومن السينما والإذاعة والمجاهر وأشباهها.

وأخرى أذكر بها: كان الإنسان في العصور الخالية لا يعرف إلا حوادث بلده، ولا يهتم بغيرها، فإن دامت حرب خمسين سنة في الصين فعسى أن لا يسمع بها أهل مصر، وإن سمعوا بها لم يعرفوا إلا قليلا من أخبارها، والذين يعرفون لا يهمهم منها كثير ولا قليل. بل تقع الحادثات في جانب من مملكة فلا يسمع بها أهل الجانب الآخر إلا بعد أيام كثيرة، ولا يهمهم أمرها كثيرا. واليوم تقع حرب في الصين أو يفيض نهر أو تهتز أرض أو ينزل وباء فيسمعه الناس في أرجاء الأرض يوم وقوعه، فلا تخفى على الإنسان مصيبة على هذه الأرض، وكل ما يصيب البشر يهم الإنسان أو يحزنه أو يقلقه.

لقد طويت المسافات فصار ما يقع في جانب من الأرض يصيب من في أقصى الأرض بقليل أو كثير، جمعت على الإنسان مصائب الأرض كلها خيرها وشرها، وكان من قبل لا يهمه إلا مصيبة نفسه وجيرانه الأدنين.

الإثنين 24 صفر/4 ديسمبر

التقدير في شرائع الإسلام

في الإسلام تقدير للأعمال والأوقات يتجلى في كل شرائعه، كل شيء فيه بقدر، وكل عمل سائر فيه على سنن، حتى العبادة، وهي مظنة البعد عن تقدير الحركات والسكنات، شملها تقدير الإسلام فأحكم أشكالها ونظم أفعالها. انظر إلى الصلاة: تبتدئ بتكبيرة ترفع معها اليدان؛ إيذانا بالدخول في العبادة. ثم تقرأ الفاتحة في كل ركعاتها، وتزاد في الركعتين الأولى والثانية آيات من القرآن. ثم يكون الركوع على هيئة مبينة، ويسبح فيه تسبيحات معدودات، ثم يرفع الراكع رأسه للتحميد ... إلخ. ثم لا تنتهي الصلاة بالسجود آخر أفعالها، بل يجلس المصلي جلسة محدودة للتشهد. ثم لا يقوم بعد التشهد فيخرج من الصلاة إلا بعد حركة وكلمة مؤذنة بانتهاء الصلاة؛ وهما الالتفات والتسليم، ثم التكبير فاصل بين الحركة والحركة، وأعداد الركعات مبينة لكل وقت.

وتأمل في الأذان للإيذان بالصلاة، ثم صلاة الجماعة كيف يصطف المؤتمون في نظام ويتقدم الإمام يقرأ وهم يسمعون، ويتابعونه في كل حركاته وأقواله. ثم لا تنس صلاة الجمعة في كل أسبوع، وما فيها من شعائر، وصلاة العيدين كل سنة وهلم جرا.

هذا هو التقدير المحكم، والترتيب المتقن، والنظام المستحكم. وهو لمن يتأمل، ديدن الإسلام في كل عمل من العبادات والمعاملات، وفي معيشة الوحدان والجماعات.

إن النظام الذي يتجلى في العالم إتقانا وإحكاما، وجمالا وكمالا، يتجلى في شرائع الإسلام كلها. فما أجدر المسلمين أن يكونوا أئمة الأمم في النظام والإتقان والإحكام!

الثلاثاء 25 صفر/5 ديسمبر

من تردد تردى

التردد والتردي من مادة في اللغة واحدة، تكرر تضعيف الدال فاعتلت. وما أشد الصلة بين التضعيف والعلة، وهما في الأعمال قريبان، وفي الشدائد حليفان، وقديما قيل:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة

فإن فساد الرأي أن تترددا

الإنسان يفكر ويدبر، ويعد عدته، فإذا تهيأت الأسباب عزم فمضى فبلغ غايته، فإن فكر فلم يجزم، ولبث ككفتي الميزان بين الخفة والرجحان؛ لم يتجاوز الفكر إلى الفعل.

وإن جزم، ثم ثقلت عليه الكلفة، وبعدت الشقة، فبقي يرنو إلى المقصود مشتاقا، وينظر إلى الوسيلة إشفاقا؛ تبلد بين الإقدام والإحجام، ولم يتلبث له الزمان.

وإن فكر وقدر، وأعد ودبر، وتردد بين يومه وغده، وتعجيله وتأجيله، فهو حري أن تفوته الفرصة، فتعقبه غصة.

وجماع هذا الأمر قول القرآن الكريم:

وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين . والتوكل في لغة الإسلام أن تستمد من الله القوة والقدرة، وتطمح إلى الغاية لا تبالي بعد المسافات، واعتراض العقبات، كأنك نجم في حباكه أو قمر في أفلاكه، لا يقف ولا يبطئ، ولا يصده شيء.

الشوارد · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٩٠