تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليت شعري أفي طمع الإنسان التدمير؟ أيسوغ أن نسميه الإنسان المدمر؟

الجمعة 21 صفر/1 ديسمبر

تاجر فلسفة وعلم

إذا رأيت الإنسان يطلب العلم ويعلمه، لا يبغي بسعيه إصلاح نفسه ولا إصلاح الناس، ولكن يجمع صيتا ومالا، فاعلم أنه تاجر علم، مثله مثل من يبغي المال والصيت بتجارة أو صناعة أو منصب.

وآية هذا، أن يكون الإنسان طالبا للعلم لا يرجو صلاحا لنفسه ولا للناس، أن تجد حجابا بين علمه وعقله، وبين عقله وقلبه، فهو يسمع ويقرأ ويجمع؛ ولكن عقله عقل عامي لم يوسعه العلم ولم ينره، أو وسعه ولم يصل بهذه السعة إلى رياضة نفسه وحكم هواه، فتراه عالما كذابا خداعا، أو جشعا حريصا، أو ساعيا للجاه والسمعة غير مبال بما يطأ في سبيله من حق، وما يدنس في مسعاه من خلق، فهو كما قال القرآن الكريم في اليهود:

كمثل الحمار يحمل أسفارا ، وكما قال الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظماء

والماء فوق ظهورها محمول

وقول الآخر:

زوامل للأشعار لا علم عندهم

يجيدها إلا كعلم الأباعر

ربما تجد إنسانا مجتهدا محصلا يقرأ ويجمع ويؤلف ويخرج كتابا في العلم أو الفلسفة وتتداوله الأسواق، ثم تنظر فإذا هو حريص على المال يكد له ويذل، وتنظر فإذا هو كلف بالشهرة يتكلف لها ما يؤمن به وما يكفر، ثم تنظر فإذا هو غير مأمون على التعليم لا يسوي بين تلاميذه، بل يفرق بينهم بهواه، ولا يعدل فيما اؤتمن عليه من أمورهم ويحابي ويظلم بشهوته. إن هذا ليس فيلسوفا ولا متفلسفا ولا عالما ولا متعلما؛ ولكن تاجر فلسفة وعلم.

السبت 22 صفر/2 ديسمبر

دستور إسلامي

جمعني مجلس اليوم بصاحبين؛ مصري وباكستاني، فتحدثنا في وضع دستور إسلامي، وهذا أحد مقاصد المؤتمر الإسلامي الذي اجتمع في كراچي العام الماضي، وهذا الباكستاني من أعضائه. قال الباكستاني: إن علماء باكستان متشددون، يرون أن يكون كل شيء في عصرنا كما كان أيام الخلفاء الراشدين؛ ومن أجل هذا كان الخلاف بينهم وبين غيرهم. وقال: لا بد من اجتماع علماء من بلاد إسلامية مختلفة لينظروا في هذا الشأن، والعلماء في البلاد الأخرى أوسع فكرا وصدرا فعسى أن يغلبوا علماءنا المتشددين ويفسحوا لنا الطريق.

قلت: ينبغي أن تنظر إلى مقاصد الإسلام، لا إلى ما شرعه علماؤنا أو خلفاؤنا في أعصر غير أعصرنا، فإن فعلنا اتسع المجال ووجدنا في سعة الإسلام ما يخرجنا من ضيق عقولنا وصدورنا. والأمر ليس عسيرا، فكل دستور وضعه المسلمون لمصالحهم لا يخالف أصلا من الأصول التي أجمع عليها المسلمون في كل العصور، يسوغ أن يسمى دستورا إسلاميا، ولا يكلفنا قبول الإسلام إياه إلا أن نصله بمقاصد الإسلام، ونبين ما بينهما من صلات، وندخله في سعة الإسلام وسماحته، وننفي عنه كل نص يبعده من مقاصد الإسلام. وقد وضع علماؤنا من القواعد ما يعترف باختلاف الأحكام باختلاف الأزمان والأوطان، وهذا إمامنا الشافعي هاجر من الحجاز إلى العراق فمصر، فكتب في مصر مذهبه الجديد. وكثير من مجتهدينا رجعوا عن آراء لهم حيثما انتقلوا من مكان إلى مكان أو من حال إلى حال. فإن أراد المسلمون أن يبينوا عن سعة الإسلام ويؤلفوا النافرين ويوحوا الأمل إلى اليائسين، فهذه سبلهم، وإلا أفلت من أيديهم الزمام وخلفتهم وراءها الأيام.

الأحد 23 صفر/3 ديسمبر

من آفات هذه المدنية

لا أنقص هذه المدنية قيمتها، ولا أبخسها حقها، ولست في حاجة إلى الإبانة عما يسرت للبشر وذللت، وفتحت من كنوز الأرض وأسرار الكون، وما رفهت عن المرضى، ووقت الإنسان من مصائب كثيرة. ولكني أقول: إن مع الخير شرا، وإن هذه المدنية فتحت على الناس أبواب القلق والضجر وأمدت لهم في الشره، وزينت لهم من الشهوات والأهواء، وأتاحت لهم من أسباب العذاب والخراب ما أحاط بهم من فوقهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم.

الشوارد · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٨٩