واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا .
فتأملت فإذا هي جماع ما قرأنا في التصوف ووعينا، وإذا هي ملاك ما سمعنا عن الصوفية وأدركنا. وكأني لم أقرأ الآية من قبل ولا حفظتها ولا سمعتها مرات! قلت: إن في القرآن آيات نمر عليها غافلين؛ ونقرؤها معرضين، وإن القراءة لا تغني بغير تدبر، والقرآن لا يجدي بغير قلب واع وفؤاد يقظان،
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ،
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون .
الأربعاء 19 صفر/29 نوفمبر
التأويل المضحك
لقيت الليلة الشيخ حسن نظامي من ذرية الشيخ نظام الدين أوليا؛ وهو أحد الصوفية والأولياء الكبار، يقصد ضريحه الزوار من أرجاء الهند، ويشارك في زيارته غير المسلمين كذلك. وقد زرته وذكرت زيارته في رحلتي إلى الهند من الرحلات الثانية. والشيخ حسن رجل طويل أشيب طويل اللحية يلبس على رأسه كوفية خضراء - أي طاقية بلغة مصر. لقيته في دار وزير الصناعة نذير أحمد؛ دعينا للعشاء عنده معا، وكانت هناك حفيدة للشاعر أكبر الله آبادي فقلت: رأيت حفيدي شاعر معروف وصوفي مبجل، فما أسعدني بلقائهما! سلمت على الشيخ حسن فشرع يكلمني بالأردية عن ترجمته القرآن ثم أراني مجلدا فيه النصف الأول، وأهداني إياه فله شكري. واسترسل يتكلم بالأردية وأنا أتبعه يفوتني كلام وأدرك كلاما، فكان مما قال: إن نهرو هو من ذرية فرعون؛ وأول لهذا آيات من القرآن، فسر:
تبت يدا أبي لهب وتب
فجعل لها علاقة بالتبت وحوادثها الحاضرة، وقال فيما قال: إن أبا لهب هو نهرو، وامرأته الهند، في كلام ضحكنا له.
ثم قلت لنفسي: نحن نضحك من تأويل الشيخ حسن، وقد ابتلي الإسلام بمثل هذا التأويل من قبل فضحكنا له وبكينا، فقد سار الباطنية وبعض الصوفية على طريق تجعل تفسير القرآن تبعا للأوهام والأهواء لا صلة لها بألفاظه، فأضلوا الناس بهذا وأبطلوا الاحتكام إلى القرآن فيما يشجر بين المسلمين.
وأذكر أني سمعت في حداثتي رجلا أزهريا يقول في تفسير الآية:
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ؛ أي نسي غيرنا ولم نجد له عزما على مخالفتنا، قلت: سبحان الله! فلو أراد القرآن أن آدم نسي العهد ولم يستطع الصبر عليه، فما عسى أن يقول في هذا، وقد أولت ألفاظ هذا المعنى على ضده؟! كثير من الناس أرادوا أن يلعبوا بالقرآن ويبطلوا دلالته ويسيروه مع أهوائهم فضلوا وأضلوا، وإن تأويل حسن نظامي المضحك ليذكرنا بالمضحكات المبكيات في تاريخنا.
الخميس 20 صفر/30 نوفمبر
الإنسان المدمر
قال لي ثقة من عظماء العرب: كنا في حرب مع الطليان في طرابلس فاستولينا على مصنع كبير، فهم بعض المحاربين أن يأخذوا ما في المصنع من آلات خفيفة، ويهدموه ويأخذوا أنقاضه؛ فنهيتهم ونهاهم العقلاء من قومهم، وقالوا: هذا المصنع نصونه ونصنع فيه، فيغل لنا ما لا يذكر بجانبه المغنم القليل القريب الذي تبغونه. قال: وارعوى الناس أياما، ثم صاح فيهم صائح: هلم ننقض المصنع! وقال لمن نهاه عن الإخراب: أين آباؤنا وآباؤكم؟ قد هلكوا جميعا، وربكم لا يريد لهذا العالم العمران، وتبعه الناس وهدموا المصنع.
قلت: وهذا القائل كان في ظاهر أمره مازحا، ولكن فعل هو ومن معه ما يوافق المزاح.
وفي الشعر الفارسي، وأظنه من «الشاهنامة» ما يشبه قالة هذا الرجل:
جهان راخداوند خواهد خراب
بهانه است خسرو وآفر اسياب (يريد الإله العالم خرابا، وإنما خسروا وآفر اسياب تعلة) يعني الحروب المتمادية التي وقعت بين خسرو ملك إيران وآفر اسياب ملك ثوران.
معاذ الله! لا يريد الله إخراب العالم، ولكن في الناس نزوعا إلى الهدم والإخراب فهم يلتمسون العلل لما ينزعون إليه. ماذا يقول المفكر في هذه الحروب الماحقة التي تثور في العالم بين الحين والحين، ولا يشبها الإنسان الهمجي ولا الجهلة من القبائل، ولا الأمم التي تغلب عليها الوحشية، ولكن تشبها، فيصلى بها من ليس جناتها، وتعم الأرض ويلاتها، رجال عظام أوتوا نصيبا من التعليم والتثقيف والتهذيب في أمم بلغت في الفلسفة والعلم وكل نتائج الحضارة شأوا بعيدا؟!