ستزداد الجرائم على رغم الشرطة والقضاء إن لم تعالج مصادرها في النفس وفي سنن الجماعة، ستزداد إن لم يتصل الدواء بالجسم باطنه وظاهره؛ إن اكتفينا بهذه الوسائل التي هي دهان على وبر.
الخميس 10 رجب/27 أبريل
المعبد الأكبر
في الناس من يعتزل مشاغل العيش ويأوي إلى داره معتكفا متعبدا بعيدا من الشر والإثم. وليس شيئا أن يعتزل الإنسان الناس فيتعبد، إنما العبادة الحقة أن تدفع في مضايق الحياة ومعاركها، وتمارس فتنها ومطامعها، ثم لا يقطعك شيء من عبادة الله آخذا بالحق قائما بالقسط.
إن العالم هو المعبد الأكبر، فما أثرت فيه من عمل صالح، وما قلت فيه من كلمة طيبة فهو عبادة، وكل ما تسن للناس من سنة حسنة، وكل ما تهديهم إليه من رأي سديد عبادة يحبها الله ويدعو إليها الدين. فاتخذ هذا العالم معبدا، واسع فيه إلى الخير أبدا، وأصلح ما استطعت. فإن تفعل؛ فأنت في عبادة دائمة، ليلك ونهارك، وأنت في ذكر لا تفتر سرك وجهرك، وصلاة لا تنقطع يجزي الله بها عباده الحسنى وزيادة.
الجمعة 11 رجب/28 أبريل
السفر
قطعنا منذ أيام المسافة بين جدة والمدينة من طريق مهد الذهب، وهي ستمائة وخمسين ميلا في ثلاثة أيام. وبتنا في الطريق ثلاث ليال، ورأينا كثيرا من الناس والحيوان والشجر والجبال، واجتزنا حزونا وسهولا، وعبرنا سيولا ووطئنا أرضا ممطورة تتخللها غدر صغيرة.
واليوم خرجنا من المدينة نؤم جدة من الطريق الغربية؛ طريق رابغ، ولم يخل السير في هذه الطريق من استفادة على كثرة ما قطعت هذه الطريق قبل جيئة وذهوبا.
ولو سافرنا إلى المدينة وعدنا منها بالطائرة ما رأينا على الأرض إلا جبالا وأسودة لا ندري ما هي. ولو سرنا هذه الطريق على الإبل مرة واحدة لعرفنا من الأرض والماء والشجر والناس أكثر مما عرفنا في الأسفار المتوالية.
لماذا يعجل الناس بالطيران إلى غير ضرورة، فيحرموا أنفسهم علما وتجربة ومتاعا ورياضة؟
إن في السفر بالطائرة بلوغ مقصد، وفوت مقاصد، وإن التمس المسافر الراحة فحسب، فالإقامة في الديار وترك الأسفار هي الراحة الكبرى لا محالة. إن الطائرة مركب الضرورة، فمن أعجلته الضرورة فليتوسل بها وإلا فخير أن نسير على الأرض أو البحر فنستفيد فوائد الأسفار.
السبت 12 رجب/29 أبريل
بعد الحضر عن الطبيعة
خرجنا من المدينة المنورة قبيل العصر نؤم جدة فأدركنا موضعا اسمه البستان، وقد مضى من الليل قرابة أربع ساعات فآثرنا المبيت؛ فنزلنا ومهدنا فرشنا تحت السماء الصافية المصحية، نرى النجوم شارقة وغاربة، ومطلة على الجبال وكانسة وراءها، وباتت الكواكب والبروج في جمالها وجلالها تسامرنا، وذهب التأمل مذاهبه في صورها ومعانيها.
ونمنا على نية المسير بغلس، وقمت قبل الفجر فإذا أحد الرفاق يوقظ الركب صائحا: قوموا لقد غاب القمر، وأوشكت الشمس أن تطلع! وجعل يكرر هذا القول ويؤكده حسبانا أن غروب القمر يعقبه طلوع الشمس، فضحكت وقلت: ياهذا إن القمر يغرب بالليل والنهار، ويغيب قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها. ثم قلت لنفسي: لقد قطع الحضر الناس عن الطبيعة وحجبهم عن السماء، فقل من يعرف من أهل المدن أسماء النجوم والبروج وسيرها في أفلاكها واختلاف مواضعها باختلاف أيام السنة وساعات الليل، ولكن البادية يعرفون هذا كله ويهتدون به سائرين، ويوقتون به مقيمين.
سألت بدويا في الحجاز عن نجم فقال: هو الجوزاء، وأشار إلى آخر قريب منه وقال: هذا المرزم، ثم أشار إلى الأفق الجنوبي وقال: وهذا سهيل، وأخذ يحدث عن سهيل وأوقات طلوعه وصلته بالجو وأثره في الإبل.
ينبغي ألا تقطع الحضارة الناس عن الطبيعة في سمائها وأرضها، وعن الطبيعة في أجسادهم وأنفسهم، ففي البعد عنها ضعف الأنفس والأجسام وضيق الأخيلة والأفهام.
الأحد 13 رجب/30 أبريل