تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من المهد إلى اللحد «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.» إن لم يكن من أحاديث النبي

صلى الله عليه وسلم

لفظا فهو من أحاديثه معنى؛ هو يلائم مقاصد الإسلام وأوامره وسننه وتاريخه. طلب العلم عند المسلمين عبادة، طلب العلم كله؛ ما تستقيم به الدنيا وما يستقيم به الدين. كذلك كانت مساجد المسلمين مدارسهم، ولم تكن مدارس للفقه والتفسير فحسب، ولكن كانت مدارس لكل ما وعى المسلمون من العلوم الشرعية والعربية والعلوم العقلية من الطب والرياضة والفلك وهلم جرا.

وقد سار المسلمون في تقديس العلم سيرتهم، وأمضوا في طلبه أعمارهم، ودعوا إلى طلبه من المهد إلى اللحد.

سئل شبيب بن شيبة: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ فقال: ما دام يحسن به أن يعيش يحسن به أن يتعلم.

وقال علي بن عيسى الولوالجي: دخلت على أبي الريحان البيروني وهو يجود بنفسه قد حشرج نفسه وضاق به صدره، فقال لي: كيف قلت يوما حساب الجدات الفاسدات (يعني ميراث الجدات لأم)؟ قلت: أفي هذه الحالة؟ قال: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها؟

هكذا نحن معشر المسلمين دعاة إلى العلم، عباد بالتعلم والتعليم، حراص على المعرفة دائبون في طلبها، شعارنا الآية الكريمة:

وقل رب زدني علما ، والآية الأخرى:

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، والقول المأثور الذي نجعل له قداسة الحديث: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.

الإثنين 14 رجب/1 مايو

سير الزمن

كثيرا ما آخذ القلم لأكتب كلمة اليوم - بعد أن أخذت نفسي بكتابة هذه الصفحات على الأيام - فأجد صفحات بيضاء لأيام ماضية فأتذكر ما قلت قبلا:

يقلب الزمان من أيامه

أسرع من تقليبنا أوراقنا

وأقول لنفسي: كلمة لا تشغلني إلا دقائق قليلة، وأنا أحرص عليها ولا أستطيع أن أسجلها في أربع وعشرين ساعة ولا أقوى على مسابقة الزمان فيها، ما أصعب تأدية العمل في حينه والمثابرة عليه! ما أصعب هذا على من استسلم للشواغل وسار مع التيار! وما أيسره لمن عزم عليه ومرن فيه!

ما أعظم هذا أثرا في حياة الإنسان وعمله، وما أدله على إنجاحه وإخفاقه! لعل أكبر فارق بين أمة وأخرى، وإنسان وإنسان، تقسيم الأعمال على الأوقات، وإنجاز كل عمل في وقته.

كم يضيع من أعمارنا - أممنا وآحادنا - في عمل يؤخر ثم يركم بعضه على بعض فيهمل، أو يدرك بعد وقته، وبعد أن يكلفنا من الانتظار والبحث والقلق والنصب ما لا يكلف عشره أو عشر عشره لو أنجز في وقته! لا تؤخر عمل يومك إلى غدك، ولا عمل صباحك إلى مسائك ولا عمل ساعة إلى ساعة، لا تبطئ والزمان عجلان، ولا تنم والدهر يقظان.

الثلاثاء 15 رجب/2 مايو

الاستسلام للتيار

الناس مولعون بالمحاكاة، كلفون بمسايرة من هو أعظم منهم، مستكينون إلى الواقع، وقليل من الناس يستطيعون الخلاص من سلطان المحاكاة، وحكم العرف وسيطرة ما وقع.

هؤلاء هم المصلحون الذين تنجبهم الأمم بين الحين والحين، لتقويم المعوج وإصلاح الفاسد والخروج على سلطان الواقع والثبات في مجرى الحادثات. وكثير من الناس يحسبون أنهم أحرار وهم في الواقع مستعبدون، يخرجون على مذهب أو عرف؛ لأنهم قد استعبدهم مذهب أو عرف آخر. ومن هؤلاء بعض المعاصرين في أمتنا، يخرجون على أمتهم في رأي أو عادة ويصيحون أنهم أحرار مفكرون، وهم في الحق عبيد بهرتهم مدنية أوروبا وزينتها وفتنتها؛ ولهذا لا تجدهم يدعون إلى أمر مبتكر أو طريقة مبتدعة - بل إلى ما أخذوا من سنن أوروبا، ولو صدقوا في دعوى الحرية لأخذوا من أممهم وردوا، وقبلوا من أوروبا ورفضوا، واخترعوا أحيانا من عند أنفسهم ما يخالف هؤلاء وهؤلاء.

لقد خبرت كثيرا ممن يخالفون أمتنا في كل شيء، فإذا هم مستسلمون لأوروبا في كل شيء. ومن كبار كتابنا من دعا إلى مسايرة الزمان، ومن كبار رجالنا من قال لي وأنا أحاوره في الحسن والقبيح: إن الأحسن هو الواقع.

الشوارد · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٨