الأحد 6 رجب/23 أبريل
الكلمة الطيبة والعمل الصالح
دار حديث في تبدل الأحوال وسرعة تغيرها: العالم في تغير مستمر، والأمم في تحول مضطرد، والإنسان لا يلبث على حال، ليس لشيء ثبات ولا لأمر بقاء.
منع البقاء تقلب الشمس
وطلوعها من حيث لا تمسي
قلت: أجل! ولكن أمرا واحدا لا يحول ولا يزول، هو الحق؛ الحق الذي يسير قوانين هذا العالم المتغير، ويفنى في بقائه كل شيء، وتحول على ثباته كل حال، فلا تخدعنكم الصور الحائلة الزائلة، فإن وراءها حقائق دائمة عمادها الحق الباقي الذي لا يزول.
ومن هذا الحق الكلمة الطيبة تتداولها الأجيال بعد الأجيال، مزهرة مثمرة مظلة، والعمل الصالح تسير على سنته القرون بعد القرون، وهو طريق بين لاحب مضيء يهتدي عليه الناس ويأنسون به، ويركنون إليه، ويبلغون به المقاصد.
الإثنين 7 رجب/24 أبريل
آدابنا
الطرق والمجامع مظهر أخلاق الناس وآدابهم، فيها يتعلم الناشئة، ومنها يشيع الصلاح والفساد، وبها يعرف ما في أمة من نظام وفوضى، ومعرفة وجهالة، وألفة وفرقة، وتعاون وتخاذل، ومحبة وبغضاء.
وإن طرقنا ومجامعنا لا تبشر بالخير، وهي حرية أن تنال عناية المفكرين، واهتمام المسيطرين، وتفكير المربين.
ترى في الطريق والمراكب العامة والمجامع؛ مجامع اللهو أو العلم، وقاحة في وجوه لا حياء فيها، وتسمع بذاءة في ألسن لا آداب لها، وترى من هيئات الجلوس والقيام والمشي ما لا يوقر فيه صغير كبيرا ولا يرحم كبير صغيرا.
ربما ترى أستاذا جليلا جلس إلى جانبه في مركبة عامة تلاميذ صغار لا يرعونه في حركة ولا كلمة، وترى شبانا يدخل عليهم الشيوخ فلا يوسعون لهم في المجلس، بله أن يقوموا لهم.
كل أدب يعلمه البيت أو المدرسة ضائع في طرقنا ومجامعنا، ولا صلاح ما لم يعن بالآداب العامة، ويؤخذ المخلون بها بالحزم والبطش.
لا بد لنا من محتسب مسلط يردع السفهاء، ويحمي العقلاء، وتربية تملأ الأنفس بالأدب والحياء فإننا نسير سيرة يعرف العاقل غايتها ويخشى الحكيم نهايتها.
الثلاثاء 8 رجب/25 أبريل
مغارس الجرائم
تمر أحيانا على قهوة في حي من مدينة، فترى شبانا جالسين يضحكون ويصيحون ويتبعون المارة أنظارهم. تراهم أحيانا يلعبون بالأوراق مقامرين سرا وعلانية، وتجدهم ساهرين الليل يشربون المسكرات، أو تجدهم متنازعين متخاصمين، متضاربين، تعرف في وجههم المنكر، والاستهانة بالناس وقلة المبالاة بالآداب، وترى شعرا طويلا أشعث، ووجها كالحا أغبر، وعينا أمرضها السكر والسهر. وكثيرا ما ترى هؤلاء سائرين في الطريق حربا على الأخلاق، وجناية على الآداب.
هؤلاء فيما أرى لا يجلسون مجالسهم هذه ليلا ونهارا إلا دبروا لجريمة يرتكبونها، أو ثارت في أنفسهم جريمة يصيب بها بعضهم بعضا، أو أوحوا إلى الأنفس الإجرام والإفساد. كلما رأيت هؤلاء أو تخيلتهم رأيت بؤرة من بؤر الشر، ومنبعا من منابع الفساد، وسميت مجامعهم هذه «مشاتل الجرائم». والحكومة تستهين بأمرهم ولا تعنى بهم، والناس عنهم غافلون، ولكنهم يحصدون كل حين ما يزرعون.
الأربعاء 9 رجب/26 أبريل
دهان على وبر
يقال في المثل للدواء الذي لا ينجع؛ لأنه لا يصيب موضعه، ولا يتجاوز الظاهر إلى الباطن: إنه دهان على وبر؛ والمعنى أنه كطلي الجمل الأجرب على وبره، والدهان لا ينجع ما لم يقع على جلد الحيوان.
وأنت تقرأ كل يوم عن جرائم كثيرة، ومخاز شتى تدل على مرض في النفوس أو في الجماعة أو خلل في نظامها. وترى كيف يتتبع الشرطة الجناة حتى يأخذوهم، وكيف يمسكهم القانون حتى يعاقبهم، ولكن سيل الجرائم لا يكف، وسلسلة المخازي لا تنقطع.
إن الشرطة والقضاء يخيفان ولا يصلحان، ويعاقبان ولا يربيان، ويأخذان المجرم بما اجترح إن ظفرا به، ولا يداويان المرض الذي ينشئ الجرائم.
الشرطة والقضاء يعددان الحادثات ، ويعاقبان عليها، ولكن الأمة لا تعنى بالتأمل في أسبابها، ولا تعمل للقضاء عليها، وكفاية الناس شرها. وإنما يكفى الناس شرها بالمداواة لا بالمجازاة.