الإثنين 20 ذي الحجة/2 أكتوبر
القراءة بالخيال
قلت يوما للصديق الشاعر محمد عاكف رحمه الله، ونحن في قطار حلوان: إن ناسا يقرءون الصحف بصوت عال كأنهم لا يستطيعون أن يقرءوا دون الجهر. قال: بل بعض الناس يفكر بصوت مرتفع، يعني يتحدث بما يفكر فيه حديثا مسموعا. فضحكت وقلت: إن الإنكليز يقولون: فكر فيه جهرا
think it aloud . وفكرت فيما بين الفكر والكلام من صلة وقول بعض الفلاسفة: إن الإنسان لا يستطيع التفكير بغير لغة، يعني أن الإنسان حين يفكر تمر بفكره الألفاظ الدالة على المعاني التي يفكر فيها. وتلكم مسألة عويصة لا أعرض لها هنا؛ ولكن أعرض ما جربته في نفسي، أني أتلو آيات من القرآن وأنشد أبياتا من الشعر سرا فأتخيل الصوت وأتتبع مخارج حروفه، يكاد ينبض به اللسان وأعضاء النطق، ولكنها لا تنبض. وأساير الألفاظ في مدها وغنتها كالذي يقرأ جهرا. وألبث في هذه المسايرة الزمن الذي ألبثه لو تلوت هذه الآيات أو أنشدت هذه الأبيات أو سمعتها من تال أو منشد.
فهذه درجة بين الفكر الذي تصحبه ألفاظه، وبين الإبانة عن الكلام بالصوت، يسوغ لنا أن نسميها تخيل الكلام، فهل قصد إلى هذا من قال:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
أو عنى الدرجة الأولى من درجات الكلام وهي التفكير؟
خطرات عنت فأثبتها، ليزيد فيها من يشاء ممن يعنون بمباحث اللغة أو علم النفس.
الثلاثاء 21 ذي الحجة/3 أكتوبر
الجرائد والكتب وأصحابها
تبعة الكاتبين للناس عظيمة، أجرهم إن أحسنوا القيادة وفير، وإثمهم إن حادوا عن الجادة كبير. وكلما علا الكاتب مقاما، وذاع صيتا زادت تبعته، وعظم ثوابه أو كبرت جريرته.
وفي عصرنا مؤلفون يخرجون للناس كتبا، وكتابا تنتشر مقالاتهم في الصحف السيارة، ولما يكتبون أثر في القراء بليغ، وتوجيه للناس إلى الخير أو الشر خطير.
وللكتب ناشرون يطلبون المال من نشرها، وللصحف أصحاب يبتغون المال والجاه بما يكتب فيها. فإذا اجتمع المؤلفون والناشرون، واتفق الكتاب والصحفيون على قدر التبعة التي ألزموها وإعظام الأمانة التي حملوها، فقصدوا الحق والإصلاح والتعليم، وجعلوا هذه أول المقاصد، ثم قصدوا المال من ورائها ليعيشوا به ويفرغوا لها، صلحوا وأصلحوا، وبارك الله قولهم وعملهم في الأمم. ولكن من المؤلفين والناشرين والكتاب والصحفيين من يجعلون من المال والصيت همهم الأول، فيقصدون قصدهما، ويتوسلون بكل الوسائل إليها، فيرون كثرة المال بكثرة القراء، وكثرة القراء على قدر ما تلذهم القراءة، وتستهويهم المطالعة، فترى العلماء والأدباء، أو من يحملون هذه الأسماء، يسايرون الجمهور وينزلون إليه ويتملقونه لتدر لهم الأموال وتذيع السمعة، فينقلب المتبوع تابعا والإمام مأموما، والقدوة مقتديا. وترى القراء يوجهون الكاتب، ويسيرونه على الطريقة التي هي أقرب إلى متعتهم، وأدنى إلى هواهم، وإن أصاب العقول والأخلاق الفساد، وهام القراء في كل واد. انظر تجد صدق الدعوى واستقامة الحجة.
فليتق الله قوم أوتوا نصيبا من المعرفة والبلاغة، لا يسخروهما للمال ويتبعوا بهما الجهال على كل حال.
الأربعاء 22 ذي الحجة/4 أكتوبر
المسدس وصدر غاندي
قرأنا وسمعنا عن الخير والشر في هذا العالم، والرحمة والقسوة على هذه الأرض، وعرفنا مما قال الفلاسفة في تغالب الخير والشر، وما علمه دين زردشت من تداولهما الظفر في آلاف السنين، وما وصف به الشعراء الناس من غلبة الشر عليهم، وسيطرة الباطل فيهم، وأنهم يلقون الخير بالشر، والنعمة بالكفور، والإحسان بالإساءة، والمودة بالعداوة.
وسمعنا وقرأنا من أحاديث المتفائلين والمتشائمين بين الناس، ومن أمثال الإساءة والإحسان في الجماعات، فما سمعنا ولا قرأنا أبلغ في الشر وأدل على القسوة، وأنطق بالكفران وأدخل في اللؤم، وأقتل للمروءة، وأفتك بالإنسانية، وأزرى بخلق الإنسان، وأنهض بحجة المتشائمين اليائسين، من مسدس يصوب إلى صدر غاندي فيفرغ فيه رصاصات قاتلات.