تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان جوابي: لا يخدعنكم الفساد الظاهر والشر المستشري، ولا يهولنكم ذكر فلان وفلان من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار، ولكنها راية رفعت للشر فأوى إليها أشرارها، وهرع نحوها أنصارها، ونفر منها الأخيار فلم ينحازوا إليها، ولم تسمع أصواتهم حولها، ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار وحفوا بها وسكنت أمة الأشرار وقل جمعهم وخفت ذكرهم.

إن في الأمم خيرا وشرا، وفسادا وصلاحا، ومصلحين ومفسدين، فإن رفعت راية للخير انضوى إليها الأخيار في كل طائفة، وغلب بها الخير في الأنفس التي يغلب شرها خيرها ونبت خير في نفوس لا خير فيها. فإن الإنسان لا يخلو، وإن عظم شره واستشرى داؤه، من نزعة للحق كامنة، وعاطفة للخير مستسرة. وكذلك إذا رفعت راية للشر ظهر الأشرار في الجماعة، وقوي الشر في الأنفس، ونبت في القلوب. فاجتهدوا أن تكون للأمة أسوة في الخير لا في الشر، واعملوا على أن ترفع للصلاح راية لا للفساد، وأيقظوا دواعي الحق في النفوس لا أهواء الباطل، وظنوا بالأمة خيرا، وإن أظلمت أرجاؤها وأعضل داؤها. أنزلوا راية الشر وارفعوا راية الخير تجدوا تصديق ما أقول.

السبت 18 ذي الحجة/30 سبتمبر

الوصف والبيان

الوصف صعب في البيان، عسير على الألسن والأقلام، لا يبرز فيه إلا من استولى على الأمد من الشعراء والكتاب. ذلكم بأن الخيال فيه والعاطفة في قيد من حقائق الموصوف ودقائقه، وحكم من الصور الحسية والمسافات؛ لهذا لقي الناس بالإكبار والإعجاب القصائد التي تجلي حقائق الموصوف وصوره ولا تخل بالبيان واضحا، والبلاغة رائعة، كقصيدة البحتري في إيوان كسرى، والأرجاني في وصف شبديز.

وينبغي للواصف أن يبدأ بالصور المحسة فيصورها في بيانه، ويجليها ببراعته، دون أن تأسره الحقائق الماثلة ، والصور الظاهرة، فتخرجه عن الأدب نثره أو نظمه، وتجعله كمهندس يذرع أرضا، أو يصف بناء.

فإذا فرغ الواصف من تصوير ما تراه العين وتلمسه اليد بعد أن يمسه بعاطفته وخياله، ساغ له أن يخلص من قيد الحس وضيق الرؤية واللمس إلى ما تنشئه هذه المحسوسات من معان في النفس؛ انقباض أو انبساط، وسرور أو حزن، وأمل أو يأس، ومن اتعاظ بمرور الزمان، وتقلب الحدثان، وسير البشر بين النعمى والبؤسى، والسعادة والشقاء.

على الواصف أن يصور للسامع أو القارئ ما يصفه كأنه يراه، ثم يبين له ما استتر وراء الصور المرئية، والألوان الماثلة من معان لا يدركها كل راء، ولا ينفذ إليها إلا من أوتي حظا من الكتاب والشعراء. يعرفه ما يشترك فيه بصر وبصر، ثم يرقى به إلى ما لا يدركه إلا قليل من الأفكار والقلوب.

الأحد 19 ذي الحجة/1 أكتوبر

كتب مفتقدة

بين الكتب وبعض أصحابها صلة الملك، وبينها وبين أصحاب آخرين صحبة، ولها أصحاب غير هؤلاء هم أصدقاؤها وخلانها وخلطاؤها وإخوانها وجلساؤها وندماؤها.

أعرف كتبي، موضوعاتها ومنازلها من هذه الموضوعات، وأعرف تاريخها منذ صحبتها، وأعرف أشكالها وألوانها وشياتها وحلياتها، وأعرف مواطنها من خزانتها. فإذا التمست واحدا منها، ذهبت إليه في مكانه ومددت يدي إليه غير مرتاب فيه. ويخيل إلي حين أدخل إلى الكتب أنها تنظر إلي وتهش لي وتكاد تكلمني، فأهم أحيانا بأن أحييها وأسألها ما حالها.

وأحيانا أذكر صديقا من هؤلاء الأصدقاء البررة الأوفياء الأسخياء فلا أجده مكانه، فأسأل عنه أشباهه وجيرانه فلا أجده، فألتمسه في مظانه فلا ألقاه. ماذا أصاب الكتاب؟ عهدي به هنا في صفه بين جماعته، فليت شعري ما خطبه؟ ليت شعري كيف عقني وخالف أمري؟

طفيلي متلصص أخذه، مترخصا في أخذ الكتب بغير إذن ولا يعد نفسه سارقا، أو مستعير أعرته إياه كارها، والذنب علي، ونسيه أو استهان به، أو رجا أن أنسى أنا وتحقق رجاؤه. ليت شعري ضلة أين هذا الصديق؟ ينبغي أن يحتاط الإنسان لكتبه فيحفظها غائبا ولا يعيرها حاضرا إلا لصديق كلف بالتزود من العلم، يقدر الكتب قدرها، ويشفق عليها إشفاق صاحبها. فهذا لا يضيع عنده الكتاب ولا يغترب ولا يعطل ولا يذال، ومثل هذا الصديق في عصرنا قليل.

الشوارد · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٦٤