تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأيت هذا الصدر العاري والأضلاع البارزة، والنفس الضعيف المتردد فيها، صدر الرجل الذي تجرد من الدنيا حتى ما يستره من لباسها، ودعا إلى السلام ونبذ العنف وقال: لا تقابل قسوة بقسوة، ولا شدة بشدة .

لقيت غاندي فسألته: هل استنبطت دواء لبؤس الناس في طول مخالطتك البائسين؟ قال: ما استنبطته ولكن أعدت استنباطه، وهو: «الحق وترك العنف»، وما كان أحد يحسب أن في البشر من يتقدم إلى هذا الرجل الهرم الداعي إلى السلم والمرحمة ليسفه رأيه أو يشتمه أو ينهره عن دعوته أو يضربه بيده، بله أن يصوب مسدسا فاتكا إلى الأضلاع الهزيلة في صدر داعية الرحمة والسلام. وما كان ذنب غاندي في رأي القاتل؟ ذنبه الذي سوغ تصويب المسدس إلى صدره أنه دعا إلى محاسنة المسلمين في الهند ومسالمتهم ورد مساجدهم إليهم، أنه خالف المخربين المدمرين القتلة السفاحين فدعاهم إلى الكف عن الشر، وإيثار العدل والمرحمة.

الخميس 23 ذي الحجة/5 أكتوبر

بالدقائق يمتاز الناس

في معاش الناس أشياء يدركونها جميعا، ويرتفقون بها. الضروريات والحاجيات لا يختلف فيها القادرون عليها، ولكن يمتاز بعضهم من بعض في طرائق استعمالها، ويمتازون في دقائق فيها. يستوي كثير من الناس في إطعام الضيفان، وفي ألوان الطعام، ويستوون في السفرة أو الخوان والصحون، ويختلفون في دقائق من الأدوات وأشكالها وترتيبها، وفي الماء وآنيته، وفي طريقة وضع المآكل ورفعها، وفي أدوات القهوة ونحوها. ويستوي كثير من الناس في الحلل التي يلبسونها ويختلفون في الألوان والتفصيل، وتسكن فئة من الناس دورا متشابهة ويتمايزون في ألوان الطلاء وفي حلى النوافذ والأبواب ونظافة الزجاج وفي دقائق الفرش واللطف.

6

للناس مكاتب وكتب وأوراق وأقلام، ولكن ليسوا سواء في وضع الكتب مواضعها وترتيب الأوراق وأدوات الكتابة. منهم من ترى على مكتبه أكداسا من الورق والكتب والدوي والأقلام، ومنهم من يصنف أوراقه، وينظم أدواته حتى تود أن تنظر إليها وتحب أن تجلس إليها لترتفق بها.

وهكذا لباس النساء وزينتهن؛ أعظم ما يفرق بين النساء فيها ألوانها وأشكالها ودقائقها، وقل في أمور أخرى يطرد القياس، وتستقم الدعوى.

وفي هذه الدقائق مقاييس للحضارة، وموازين للعلم والخلق والأدب، والصنعة في الأمم المختلفة، ومقاييس للعقول والآداب والأذواق في الأمة الواحدة، إنها وليدة دقة الإدراك والإتقان والكمال أو طلب الكمال، وفي هذه يتفاوت الناس، ويختلف فيهم القياس.

الجمعة 24 ذي الحجة/6 أكتوبر

موت عالم عامل

موت العالم العامل موت فكر فسيح، ورأي مدبر، وخفوت صوت مرشد ولسان مبين، وفقد يد عاملة، وزوال قدوة حسنة، وتعطيل كتب وأدوات، وإقفار مجمع درس وندوة علم، ووحشة أصحاب وتلاميذ، وفراغ واسع في أمور كثيرة يراه القريب إليه، وإن شغل البعيد عنه ضوضاء العيش، ودوي الباطل في هذه الحياة.

كل واحد يعرف هذا أو أكثر منه حين يذكر موت عالم عامل قد عرفه عن كثب، وما منا إلا من ابتلي بفقد أستاذ أو صاحب أو مؤلف أو كاتب اتصل به عقله وقلبه حينا، فشعر بما يحدثه فقد الرجل الكبير المجاهد في العلم والعمل.

أوحى إلي هذه الكلمة نعي الدكتور محمد خليل عبد الخالق، وما كان عملي متصلا بعمله ولا قريبا منه، ولكن رأيته في مؤتمرات ومجامع، وسمعت بآثاره في الطب والطفيليات، ولقيته أحيانا فما وجدته إلا مهتما بأمر من العلم والعمل، محدثا عن أمله وعمله، شاكيا كثرة الصعاب، وقلة الوسائل. وكان آخر لقاء في مدينة الإسكندرية منذ شهر أو أقل فحدثني عن الحج، واتقاء الهيضة وغيرها من الأوبئة في مجامع الحجيج، وعن رأيه في هذا، وناولني ما كتبه في هذا الشأن آملا أن أحدث فيه حكومة باكستان، وعلم أني ذاهب إلى باكستان عما قليل سفيرا لبلادنا. وكان رحمه الله إذا تحدث في أمر منحه عقله وهمته، ولم يبال بالتعب ولم يمل؛ إخلاصا لعمله ووفاء لحق العلم وحق أمته عليه، رحمه الله وجزاه أحسن ما عمل.

الشوارد · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٦٦