وهذا سر ضياع المعنى السري بلفظ ناب أو حرف معتل، وأن شاعرا يخرج معنى في أروع صورة في لغة، ويخرج المعنى نفسه مضطربا في لغة أخرى لم يتمكن فيها تمكنه في الأولى.
الأربعاء 15 ذي الحجة/27 سبتمبر
عد الأمواج
كنت في مدينة مرسين صيف سنة 1937م وكان معي رفيق تركي من مهاجري البلقان، وقد قال هذا الرفيق في شجون من الحديث: يقال: إن رجلا رأى رجلا يعرفه قاعدا على شاطئ البحر فسأله: منذ كم أنت هنا؟ قال: من أول النهار. قال: ماذا تفعل؟ قال: أعد الموج. قال: كم عددت؟ فنظر إلى موجة آتية نحو الشاطئ وقال: هذه واحدة.
وكنا يوما في مجلس المجمع اللغوي نبحث في اللهجات العربية كيف تستقصى وكيف تدرس، وقد قدم إلى المجلس تقرير عن تتبع الكلمات ووضع مصورات وأطالس للهجات تبين مواطن الكلمة الواحدة، على اختلاف لهجاتها.
قلت: إن أمامنا أعمالا أجدى من هذا البحث وأوجب، وحدثت الأعضاء حديث الرجل الذي كان يعد الموج وقلت: ما أشبه تتبع هذه الكلمات بعد الأمواج، وربما يقال: إن لعد الموج فائدة؛ فلعل إحصاء الأمواج في ساعة أو يوم يعرف قصدا أو عفوا بقانون ينفع الناس. فإن قيل هذا فدرس اللهجات كعد الأمواج فائدته كفائدته، قليلة بعيدة لا ينبغي أن تصرفنا عما هو أنفع وألزم.
قال أحد الزملاء: إن عمل العلماء في كل حين هو عد الموج. وقلت: إن العلماء يعدون الموج حين يفرغون من كل عمل أنفع وأولى، فيكون عد الأمواج ابتغاء فائدة موهومة ضربا من النوافل يشغل به من فرغ من الفروض والواجبات، أو ضربا من اللهو يحاوله من يبغي إزجاء الوقت بما يلهيه، أو بالأحرى من يبغي قتل الوقت.
إذا فرغت الأمة من الفروض والواجبات فلها أن تشغل نفسها بالمندوبات أو تلهو، بما تشاء من المباحات. ولكن الذي نحذره أن تتنفل الأمة أو تلهو وعليها أعباء جسام وأعمال عظام لم توفها حقها من النظر والعمل.
الخميس 16 ذي الحجة/28 سبتمبر
الكليات لا الجزئيات
قال بعض الفلاسفة القدماء: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات؛ لأنها متغيرة غير منتهية.
إنا لا نتعرض لعلم الله سبحانه، فهو أعلم بعلمه؛ ولكن أقول: إن البشر لا يستطيع أن يحيط علما بالجزئيات، ولا يجديه أن يحاول الإحاطة بها، فليكن قصدنا إلى الكليات نعرفها ونعرف كيف تنطبق على جزئياتها في العلم والأدب وسائر المعلومات.
المؤرخ - مثلا - يستطيع أن يقول: إن الأمور السياسية أو الاقتصادية مختلة في عصر أو في بلد ما، وكان من اختلالها أن وقع كذا وكذا، ويكتفي بذكر الأمثلة من الحوادث وليس يجديه أن يستقرئ كل الجزئيات التي أدى إليها هذا الاختلال.
وأذكر أنه كان لنا أستاذ في الجامعة المصرية الأولى تكلم يوما عن الوزارة أيام الخليفة المقتدر العباسي فعد زهاء خمس عشرة وزارة، وذكر كيف تولت كل واحدة الأمر وكيف تركته، فكتبت إليه في أدب ولم أذكر اسمي: حسبنا أن يبين اضطراب الأمور أيام هذا الخليفة وتكرر الوزارات، ونذكر بعضها تمثيلا.
ونرى في كتب الفقه الإسلامي المتأخرة جزئيات كثيرة تعني المتعلم ولا تفيده، وأجدى منها أن تذكر القاعدة التي ترجع إليها مسائل الباب ويترك للمتعلم التطبيق.
وينبغي أن يسلك في التعليم كله هذا المسلك؛ نعلم القاعدة ونعلم التفريع منها ونعد المتعلم أن يتصرف في مسائلها إلى غير نهاية.
كان سقراط يقول: إن عملي أن أولد الحقائق في النفوس لا أن ألقنها كما تفعل أمي - وكانت أمه قابلة - وتفسير قول سقراط فيما أرى أنه كان يوقظ العقول ويوجهها إلى النظر فتدرك المسائل واحدة بعد أخرى دون أن يلقنها مسألة إلخ.
الجمعة 17 ذي الحجة/29 سبتمبر
راية للخير أو للشر
كثيرا ما سمعت ناسا يرمون الأمة بالفساد، ويدعون أن الشر عليها غالب، والصلاح منها بعيد، ويقولون: انظر إلى فلان وفلان وكل ذي شأن في هذا الحين، فهل تعدهم من الأخيار أو الأشرار؟ لقد غلب الداء وعز الدواء.