تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأحد 12 ذي الحجة/24 سبتمبر

الكائن لا المكان والزمان

المكان والزمان لهما حكمهما في الكائن فيهما.

للمكان طبيعته من البرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة، والسهولة والحزونة، والخصوبة والقحولة ... وغيرها. وله أحكامه الاجتماعية من العرف والعادات وما يتصل بها.

وللزمان كذلك صفاته الطبيعية تختلف اختلاف فصول السنة، وله أطواره وأحواله التي تسمى حكم الزمان، وطبيعة العصر.

كلا الكونين له حكمه وأثره، وحكم المكان أشد وأنفذ، بما كان أدخل في الطبيعة، وأشد اتصالا بها وأقل مطاوعة لفعل الإنسان، مما يسمى حكم الزمان. والناس يختلفون في الخضوع للزمان والمكان والاستسلام لأحكامهما، وهذا الاختلاف معيار العلوم والصناعات، والأخلاق والقوانين. فمن الناس مسيطر على مكانه، مسخر إياه بعزمه وجهاده، فترى بلدا هواؤه شديد، وماؤه بعيد، وأرضه كزة، يسلط الإنسان فيها عقله وعمله، فإذا هو جنة يطيب فيها المقام ويسعد بها القطان. ومن الناس من يقهرهم المكان فلا يزالون في بأسائه خانعين بين أرضه وسمائه.

والذين يغلبون الطبيعة فيردون البلد الماحل خصبا، والمقام الخبيث طيبا، كذلك يقهرون الزمان الطبيعي بل هم أقدر عليه، وأكثر احتيالا له.

وينبغ في الأمم القوية على مر العصور دعاة يقهرون عرف الزمان وحكم العصر، ويبدلونه كما يشاءون، وأحرار يستكبرون على قيود العصر ويستوي عندهم ما وقع وما لم يقع. إنما معيار الأمور لديهم ما ينبغي أن يكون وما ينبغي ألا يكون، أفكارهم وأعمالهم هي الزمان فكل واحد عصر نفسه، ومبدأ تاريخ أمته، ينشئ الجيل، ويبدع التاريخ.

فإنما الأمم بكائنيها، لا بحكم الزمان والمكان فيها، وإن تعلل العاجزون وكذب المتعللون.

الإثنين 13 ذي الحجة/25 سبتمبر

الحدس في الأدب

فكرت اليوم في ناشئة المتأدبين، ومدرسي الآداب عندنا، كيف يولعون بالنظريات، ويعجلون إلى النتائج والمقدمات. إذا قيل: إن شاعرا كان متشائما حزينا، تناولوا عصره فصبغوه بالسواد من الشر والسوء. وإذا قيل: إن شاعرا آخر كان مرحا فكها لاهيا ماجنا أسرعوا إلى العصر يصورون جوانب المرح واللهو فيه، ولعل الشاعرين قد نشأا في عصر واحد وبلدة واحدة!

وقد أولع بعض الباحثين بالفرض والتقدير والتخيل والحدس دون عناية بالأدب نفسه، فمنهم من يتكلم عن زهير ومدرسته، وأبي تمام وطريقته والمتنبي وشذوذه، وهو لم يستوعب شعر واحد منهم قراءة وفهما، بل لم يقرأ عدة قصائد، بل لم يفهم قصيدة واحدة حق الفهم. فكثرت النظريات واتسعت الخيالات بمعزل عن الحقائق، ومنأى من الشعراء والكتاب أنفسهم.

وعفا الله عن بعض أساتذة الأدب فقد أرخوا للطلاب العنان في هذه السبيل، وزينوا لهم الخرص والحدس والتأويل، حتى هاموا في كل واد، والأمر أعظم مما حسبوا، وأعوص مما توهموا. وليس يضيرنا أن نكثر دراسة الأدب، ونقل عن النظريات حتى نوفي على الغاية قراءة وفهما، ثم نقيس الأشباه والنظائر، ونجمع المؤتلف والمختلف، فيتضح لنا الرأي، وتستقيم بنا الطريقة.

كان أسلافنا يتقصون الأدب ولا يعنون بالتأريخ له والتعليل كثيرا، ونحن اليوم نولع بالتأريخ والتعليل ولا نعنى بالأدب. والطريقة المثلى أن نتوسع في درس الأدب ونعنى بتاريخه، وأن نقف على المقدمات متثبتين حتى نبلغ النتائج واثقين.

الثلاثاء 14 ذي الحجة/26 سبتمبر

البيان

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان .

البيان موهبة الإنسان، هو إحدى آياته بل معجزاته. وإن البيان لخفي المسالك، لطيف المسارب، يحاوله عقل الإنسان فينال منه ثم يعجز عنه، والكلام فيه يسير عسير، وسهل صعب. ولا تتسع صفحتي لتناول البيان بالتفصيل ولو في إحدى جزئياته، ولكن خطرة خطرت، وفكرة عبرت، فقيدتها بهذه الأسطر:

كيف تنشأ المعاني في النفس فكرة أو شعورا أو وجدانا؟ وكيف تصور في حقيقة أو مجاز؟ وكيف تلبس الألفاظ، ثم كيف تركب الألفاظ في لغاتها وتتسق في عباراتها؟ وكيف تقدم وتؤخر، وتقلل أو تكثر؟ كل أولئك أمور خطيرة ومباحث عويصة؛ ولكني أراها صورة محكمة، ونغمة مؤتلفة بين سريانها في النفس إلى الإبانة عنها بالعبارات. فالمعنى الشعري مثلا وألفاظه المفردة، وعباراته وأبياته، كلها نظام واحد إن اختل جانب منه اختل كله، كالصوت ينبض به الوتر فتقطعه الصنعة وتؤلفه حتى يستوي لحنا مطربا. فإن كان المعنى تافها أو غامضا أو كان التصوير غير بين أو غير جميل، أو كان اللفظ حوشيا أو مبتذلا أو مبهما، أو كان التركيب منكرا في لغته مختلا في صناعته أو كان ركيكا أو سخيفا. إن كان شيء من هؤلاء اختل الوزن وشاهت الصورة، واضطربت النغمة، واعتل السياق. وجماع هذا كله أن تقول: اختل البيان.

الشوارد · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٦٢