وعلى هذا القياس الجماعة من الناس أو الأمة، لا تقدر قوتها بالأقوياء الأصحاء فحسب، بل تقدر بالضعفاء المرضى كذلك، بما كانت الجماعة المتعاونة سلسلة متماسكة.
وتذكرت وأنا أردد الفكر في هذا الكلام أني قرأت حديثا أو قولا مأثورا هو: الضعيف أمير الرفقة، فرأيت هذا الكلام وذاك متصلين، متقاربين على اختلاف ظاهرهما. فالرفاق المسافرون لا يسيرون بسير الأقوى والأصح بل بسير الأضعف والأمرض، فهم يرعون الضعيف في حلهم ورحيلهم وسيرهم، يتخيرون الوقت الملائم والطريق الميسرة والمنزل الموافق ... وهكذا. الضعيف أمير رفاقه يتبعونه ولا يتبعهم، ويسيرون كما يشاء لا كما يشاءون. وكذلك ينبغي أن يعنى الناس بجوانب الضعف فيهم فلن تجديهم معها قوة الجوانب القوية. ينبغي أن يعنى الفرد بالضعيف من أعضائه، والواهن من أخلاقه، وتعنى الأمة بالضعيف من فئاتها، والمختل من أحوالها. فمن خدعته القوة عن الضعف، وأنسته الصحة المرض، زاد على الأيام وهنا ومرضا، حتى يكون حرضا أو يكون من الهالكين.
الأحد 5 ذي الحجة/17 سبتمبر
خجل الكاسي من العاري
هبطت اليوم إلى سيف من أسياف الإسكندرية قاصدا إلى مقصورة هناك، وكنت كما ألبس عادة، ومعي واحد مثلي، فأخذتنا عيون العراة المتوقحين من نساء ورجال كأنهم يعجبون منا كيف لا نخجل حين نسير بينهم كاسين في زي الإنسان القديم.
وعجبت أن أرى المرأة الوقاح، عارية أو كالعارية، وهي لا تسبح في الماء ولا تقعد على الشاطئ تتهيأ لتسبح، ولكنها في مجلس يضم رجالا وفي طريق يمر به أصناف من الناس يحملقون في هذه الأجسام المعروضة!
ثم قلت لنفسي: لا عجب، هذه بيئة العراة يخجل فيها اللابس، وكل جماعة يغلب فيها حال يخجل فيها من ليس على هذه الحال، خيرا كانت الحال الغالبة أم شرا. فالأمين ذليل بين الخونة، والتقي ضعيف بين الفساق، والعفيف مغلوب بين الشرهين ... وهكذا.
ونعوذ بالله أن تغلب في أمة ضروب الشر فينقلب فيها المعروف منكرا، ويعد فيها الحسن قبيحا، ويذل أنصار الخير ورعاة الفضيلة حتى يبلسوا فيخرسوا، فإن دعوا لقيت دعوتهم السخرية والاستهزاء في كل مكان.
ربما يعتل جانب من الأمة فترجى الجوانب الصحيحة، ويؤمل برء المعتل. فإن اعتلت الجماعة كلها فغلب الخير فيها، وذلت الفضيلة، وانقلبت بيئاتها كلها فاسدة، فليس بعد هذا إلا اشتداد المرض واستفحال العلة، وليس وراء هذا إلا الموت.
الإثنين 6 ذي الحجة/18 سبتمبر
العقل والعشق
يكثر الصوفية من ذكر العقل والعشق، يجعلون الأول قاصرا ضيقا جبانا، لا يطمع إلى الحقائق العليا ولا هو أهل لها، ويعدون العشق شجاعا مقداما طماحا، أهلا لإدراك الحقائق الإلهية. فماذا يعنون بالعشق؟ لعلهم يعنون طموح الإنسان إلى الكمال ونزوعه إلى المعالي وتشوقه إلى المعرفة وسموه إلى الفضائل، ونحو هذا مما لا يوزن بميزان العقل ولا يقاس بمقياسه. يعنون هذا الطموح إلى الكمال والإقدام على العظائم دون مبالاة بالصعاب والأهوال، وهذا التحرق إلى الإدراك فيما يتصل بمعايش الناس وما لا يتصل.
ففي الأمور الروحية نرى العقل يتحدث عن الله تعالى أو الخير أو الشر أو الفضيلة والرزيلة أو الحسن والقبيح فيقيس ويزن ويرتب مقدماته ويستخرج نتائجه كما يتصرف في الجزئيات المحسوسات.
والعشق يقدم فيدرك فيطمئن فيوقن، لا يذرع المكان ولا يقيس الزمان.
ثم نضرب هذه الأمثال: العقل يرى في الموت دفاعا عن الوطن أو الأمة ضربا من التناقض؛ لأن الإنسان يدافع عن أرض أو أمة لأنه منها، فإذا مات لم تكن الأرض وطنه، ولا الأمة أمته، فقد خسر في دفاعه ما يدافع عنه، وكان كمن يدافع عن نفسه بقتلها. هذا حكم العقل، فما هذا السر الذي يقحم الإنسان على الموت غير هياب دفعا عن وطنه أو أمته؟!
ومثلا آخر: أن العقل يرى أن ينال الإنسان قوته ليحفظ حياته، فإذا اشتد به الجوع فسأل الناس فقد فعل ما وجب. فما هذا الذي يدفع الإنسان الأبي إلى احتمال الجوع والضر في نفسه وبدنه واجتناب ما فيه مذلة أو مهانة من سؤال وتملق؟!