تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني لأكره هذا الشباب الخانع، والفتاء القانع، والهمة المكلومة، والعزيمة المثلومة، وأرى في الشباب الهرم موتا، وفي الحداثة العاجزة فناء.

وفدت نفسي فتى يبسم أبدا كالنجم في الظلام، ويقدم أبدا كالكوكب في الحباك. وكما قال أبو تمام في النجوم:

منها معالم للهدى ومصابح

تجلو الدجى والأخريات رجوم

أو كما قال أبو الطيب:

تهوي بمنجرد ليست مذاهبه

للبس ثوب ومأكول ومشروب

وقوله:

وأهوى من الفتيان كل سميدع

نجيب كصدر السمهري المقوم

خطت تحته العيس الفلاة وخالطت

به الخيل كبات الخميس العرمرم

الخميس 2 ذي الحجة/14 سبتمبر

الصور والحقائق

الصور من الحقائق كالألفاظ من المعاني، ينبغي أن تعطى حظها من العناية، ويعرف خطرها في الدلالة. المعنى يدل عليه اللفظ وبينهما من الصلة والتآلف ما يجعل التمييز بينهما عسيرا أو معضلا؛ فاللفظ لا يكون بغير معنى، والمعنى لا يكون في الكلام بعير لفظ، حتى أشكل على الناظرين في البلاغة التفريق بين المعاني والألفاظ، فقال فريق: بلاغة الكلام في ألفاظه، وقال آخرون: بل بلاغته في معانيه، وليس هذا من صددنا الآن.

ولكن قصدي إلى الصور وما تدل عليه، فالخشوع مثلا حقيقة في النفس لها صورة في أفعال الصلاة، فلا ينبغي أن تحقر الصلاة وتنظر إلى المعنى فحسب، فالصورة والمعنى لا ينفصلان. السجود مثلا صورة الخشوع، وإن شئت فقل: خشوع مجسم. وقس على هذا كل ما في أعمالنا من صور وحقائق، تجد الإخلال بالأولى يخل بالثانية، والإخلال بالثانية يخل بالأولى. فالطاعة والائتلاف والتعاون لها صور حسية في قيام أو اصطفاف أو تماسك بالأيدي أو سير متوازن أو اجتماع ... وهلم جرا. وكلها ذوات خطر.

والمحافظة على الحقيقة يحفظ الصورة، فخطأ وخطل ما يقوله بعض المضلين من أن القصد من العبادات ونحوها معانيها، فلا قيمة لصورها! أجل، لا قيمة لصورها إن كذبت، كالقول الكاذب، لا معنى وراءه، إن صارت الأعمال صورية لا حقائق لها، وهيئات ليس وراءها معان.

يشيع بين بعض المتشدقين تحقير الصور والمحسوسات، وأرى أن هذه الصور هي دلائل الحقائق والموحية بها، والمبينة لها. وخير الأمم من تحافظ على الحقائق والصور، على الحسي والمعنوي، على اللفظ والمعنى.

الجمعة 3 ذي الحجة/15 سبتمبر

نتعلم من غيرنا ولا ننسى أنفسنا

الناس منذ عرفوا أنفسهم في هذا العالم، وعقلوا الحياة على هذه الأرض في تفكير وتجريب، يجمعون بهما علما إلى علم، ويزيدون عملا إلى عمل، وكل لاحق آخذ عمن سبقه، وكل سابق معلم من لحقه.

وفي كل جيل مفكرون يدركون، وعلماء يرشدون وفلاسفة يبتكرون، وسواد الناس تبع، وجمهور الجماعات سائر على الأثر.

وأكثر المفكرين العالمين يفقهون أقوالا قيلت، ويعقلون آراء أثرت، ويذهبون مذاهب مهدت. إنما عملهم التأليف والتوضيح، والترتيب والتنظيم، وزيادات في الحواشي.

وقليل من المفكرين من يبتكر ويزيد أو ينقد وينقص، أو يمحو ويثبت، وأقل من هؤلاء من يأتي بمذهب محدث، وطريق مبدع، وفلسفة أنف.

ولم يبلغ أحد من هؤلاء ما بلغ إلا بعد أن علمه من سبقه، وهداه من سار قبله، ولكنه لم يقف على الغاية التي بلغها سابقوه، ولا قنع بالدرجة التي ارتقى إليها معلموه.

فليس يصح في الأذهان ما روي عن الفيلسوف الفرنسي ديكارت أنه قال: لا أريد أن أعرف أحدا قبل ديكارت. فلو لم يعرف أحدا قبله لبدأ الفكر الإنساني ولبث أحقابا ينظم فكرة إلى فكرة حتى مات حيث بدأ.

لا نستطيع أن نستقل بعقولنا وأفكارنا، ونتجاهل من تقدمنا. ولكنا نستطيع أن يكون لنا رأي ونقد، وتعديل وجرح، وهدم وبناء، وأن نقبل ونرد وننظر ونجتهد.

الطريقة المثلى أن نتعلم من غيرنا ولا نفقد أنفسنا.

السبت 4 ذي الحجة/16 سبتمبر

الضعيف أمير الرفقة

قرأت في صحيفة يومية أن متانة السلسلة على قدر أضعف حلقة فيها، وقفت على هذا الكلام معجبا به، متأملا فيه، قلت: أجل! هب سلسلة فيها عشرون حلقة، تسع عشرة منها متينة إن علقت في إحداها مائة قنطار لم تنفصم؛ ولكن الحلقة الباقية واهنة لا تحمل قنطارا فالسلسلة كلها واهية إن علقت بها قنطارا انقطعت.

الشوارد · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٥٨