ومثلا آخر: ما الذي يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتعرف ما خفي عليه وإسقام بدنه في البحث والاستقراء وليس عيشه مقتضيا هذا الطلب، ولا صحته تلائمه ولا راحته فيه.
إنها الجذوة الإلهية التي أودعها الله الإنسان والتي يسميها الصوفية العشق، والله أعلم.
الثلاثاء 7 ذي الحجة/19 سبتمبر
الناس والتقليد
في الناس أئمة يفكرون ويجتهدون ويعملون بما يعقلون، ويدعون إليه وإن خالف ما يعرف الناس ويألفون، وبدا منكرا في العقول والأسماع والعيون، يخترعون ويبتكرون، لا يعبدهم الواقع، ولا يقيدهم العرف، ولا يحدهم زمان ولا مكان، وقليل هؤلاء. هم آحاد في الأجيال والأقطار، وأفراد تجود بهم في الندرة الأعصار.
وفي الناس ناقدون يختارون رأيا على رأي، وفعلا على فعل، لا يخترعون في أصول العقائد والمذاهب وقواعد العلوم والآداب، ولكن يستنبطون من أصول معروفة فروعا مجهولة. وهؤلاء على قلتهم كثيرون بالقياس إلى الأولين، وتلقاهم في كل عصر وفي كل إقليم.
هم كالذين يسميهم الفقهاء مجتهدي المذهب، يجتهدون في دائرة محدودة، ويجولون في أرض محجرة، كما يجتهد فقهاء الحنفية في مذهب أبي حنيفة وفقهاء الشافعية في مذهب الشافعي، وليس فيهم كالشافعي ولا كأبي حنيفة.
وعامة الناس وسوادهم ودهماؤهم وجمهورهم، يتبعون من يدعوهم، ويأتمون بمن يؤمهم ويسيرون وراء كل راية إلى كل غاية. هم أتباع كل ناعق، وقطعان كل سائق، وهم كانوا في كل عصر مطمع الساسة، وملاذ الدعاة. وهؤلاء الضعفاء الجهلاء عيال الله، ووديعته عند الأقوياء بعلمهم وعقلهم، والتبعة فيهم عظيمة، والمؤاخذة بهم شديدة. فمن أضلهم لينال بهم مأربه أو عرضهم للهلاك أو العنت ابتغاء مطامعه، فإثمه كبير، وعذابه أكبر.
الأربعاء 8 ذي الحجة/20 سبتمبر
صعوبة الرقي وبطؤه
يستطيع الإنسان أن يبدل زيه فورا، ويستطيع أن يغير داره وأثاث داره، وربما يرزق الغني فيغير ملبسه ومسكنه ومركبه وأصحابه.
ويسير أن تبني جماعة القصور والمساجد والمدارس، وتشق الطرق، وتستعمل سكك الحديد والسيارات والطائرات وآلات البرق والهاتف، وكل ما أخرجت الصناعة والعلم في هذا العصر، فيتبدل ظاهر المدن ومظاهر العمران.
يستطيع الوحدان أن يغيروا ظواهرهم فورا، وتستطيع الجماعات أن تغير مظاهرها سريعا. ولكن عسيرا بطيئا أن يغير الوحدان والجماعات أنفسها، وأن ترقى أو تتقدم في باطنها.
إن الترقي بطيء في الطبيعة. سل العلماء الطبيعيين وعلماء الحيوان عن آلاف السنين تمضي لتبدل الأرض طبقة بطبقة، أو يرتقي الحيوان من حال إلى حال! والترقي في نفس الإنسان الواحد ليس على هذه السنة، ولكنه صعب بطيء على كل حال. فربما يمضي الإنسان سنين وهو يحاول أن يكمل نفسه بخلق يكسبه أو أدب يتحلى به، أو عاطفة يهذبها. وربما تمضي الجماعات عشرات السنين، وهي تعالج داء من أدوائها، أو عيبا من عيوبها، لتخطو في سبيل الإصلاح خطوات، أو تسير إلى الكمال مراحل، ثم لا يتيسر لها ما تريد، وربما رجعت القهقرى واستشرى بها الداء وأعجزها الدواء.
إن للنفوس سرائر، وللجماعات أسرارا. وليس هينا أن تعرف السرائر والأسرار حق المعرفة، وليس هينا أن يكمل الفرد أو الجماعة وإن عرفت أسرارها وسرائرها. فليعرف هذا من لم يعرفه، ولينظر القوام على الأمم كيف يخطون للتقدم، ويصابرون حتى يظفروا به.
الخميس 9 ذي الحجة/21 سبتمبر
من استوى يوماه فهو مغبون
إن لم يكن هذا حديثا نبويا، فهو حديث إسلامي فيه دعوة الإسلام وتعليمه وأمله وطموحه، دعوة الإسلام إلى التعليم والتقدم والتكمل كل حين بكل وسيلة. ومن الأحاديث النبوية أو كلام المسلمين المأثور: لا بارك الله في يوم لا أزداد فيه علما.
إننا على هذه الأرض لنعمل ونسعى في عمرانها وإصلاحها، وفي إصلاح أنفسنا وتعليمها وتهذيبها، ودفعها كل يوم بالترغيب أو الترهيب خطوة أماما، أو شبرا أو إصبعا، فإن تعذر التقدم بالعمل والعلم، فينبغي ألا يحرم الإنسان الصالح تقدما في الفكر أو النية أو الأمل. إن جسم الإنسان في حركة دائمة وتغير مستمر، زيادة ونقصا وقوة وضعفا، فينبغي أن يساير نمو النفس والعقل نمو الجسد، وينبغي أن تتدارك قوتهما ضعفه ونموهما نقصه.