والذين يرتبون الحفلات الخيرية ويدعون إليها وينصبون من أجلها، مشكورون يقدر الله والناس حسن نيتهم، وجمال مقصدهم. ولكن هؤلاء الدعاة يعرفون أخلاق الناس في عصرنا ويقدرون مروءتهم وأريحيتهم، ويعلمون كيف يسخون في اللهو ويضنون في الجد، ويجودون في الشر، ويشحون في الخير، فيتوسلون إليهم بما يستخرج المال من نفوس شحيحة وأيد ضنينة؛ يجعلون الحفل مرقصا أو مشتملا على رقص، ويعنون بدعوة المتبرجات من أعلام الحفلات، والمبرزات في الزينات، ويحتلفون في هذا وذاك جهدهم. ويستعينون على الشح والبخل واللؤم بنساء يبعن للحضور زهورا أو أشياء أخرى بأكثر من قيمتها. هذه كلها رقى لإخراج المال في سبيل البر من النفوس الشحيحة، وإنباط الخير لأجل الصدقات من القلوب المتحجرة، ورد البخلاء بالحيلة أسخياء، واللؤماء بكل وسيلة كرماء.
فانظر كيف يستجيب الناس للشهوة أكثر مما يستجيبون للواجب والمروءة؟! وكيف تسيطر الشهوات وتضعف المروءات؟! وكان الظن بالإنسان أن يكون أريحيا في احتمال المغارم، ويكون كما قال الشاعر:
ذريني أطوف في البلاد لعلني
أصيب غنى فيه لذي الحق محمل
أليس عظيما أن تلم ملمة
وليس علينا في الحقوق معول؟
الثلاثاء 29 ذي القعدة/12 سبتمبر
مسجد من الروث، وروث مفضض
حدثنا الشاعر الكبير محمد عاكف رحمه الله أن أحد أدباء الترك - وقد شككت في اسمه - قال: إن هؤلاء الصوفية الذين يكنون عن معانيهم بالخمر والكأس والساقي والسكر وما يتصل بها، كمن يبني مسجدا من الروث، يعني أنهم يذكرون الأشياء الحسية الحقيرة ويريدون الأمور المعنوية العظيمة. ويكنون بالمحرمات من الشهوات عن الروحي من النزعات، كمن يبني مسجدا للصلاة، وهو مقصد جليل ومعنى جميل ولكن يجعل جدرانه من الروث، ويقيم دنس الصورة على طهارة المعنى.
قلت: عكس هذا أكثر وأشيع، وأفحش وأشنع؛ أن يشيد الإنسان صورا جميلة جوفاء ليس وراءها معان، أو يتجوز بها إلى معان قبيحة، كالذي يشيد مسجدا وهو لا يصلي، ويقرأ القرآن ولا يعمل به، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ولا يتحلى بها، ويتحدث عن الأمانة وهو خائن، ويشيد بذكر العفة وهو شره، ويتجر بالدعوة الدينية أو الوطنية وهي أحبولة إلى مال أو جاه أو منصب. وكالذي يذكر الإباء على الدنايا والكبرياء على الصغائر، والتنزه عن الباطل، فإن وجد إلى مطامعه سبيلا، قبل كل دنية، وطأطأ رأسه لكل مخزية، وتوسل بكل باطل وارتكب كل منكر. الذين تكذب ظواهرهم على بواطنهم، وألسنتهم على قلوبهم، وأقوالهم على أفعالهم، وأخبارهم على تجاربهم.
هؤلاء لا يكنون بالصور القبيحة عن الحقائق الجميلة، ويبنون مساجد من الروث، ولكن يخفون الحقائق الفظيعة بالمظاهر الجميلة، ويبنون مواخير من الفضة. ولست أجد في مقابلة مسجد من الروث أحسن من قول الحريري: فهل مثلك في طلاوة علانيتك، وخبث نيتك، إلا كمثل روث مفضض، أو كنيف مبيض؟!
الأربعاء 1 ذي الحجة/13 سبتمبر
الهرم المضمر
إنسان في ريعان الشباب، ومقتبل الآمال، انفسح أمامه المجال، وهو محجم لا يقدم وهياب لا يعزم. يسكن إلى الدعة، ويؤثر العافية، يتدلى ولا يشرف، ويطرق ولا يستشرف. عليه من الهموم أوقار، ومن اليأس آصار، وله من الخوف قيود، وعليه من القنوع سدود.
هو في فتائه هرم، وفي نضارته ذابل، وفي قوته ضعيف، وفي إقباله متقهقر، وفي تقدمه مستأخر.
من يقطع عن هذا الفتى أغلاله، ويضع عنه أثقاله، ويرحض عن صدره الهموم، ويمسح عن محياه الوجوم، ويريه الحياة طموحا وإقداما، والشباب عزما واضطراما. يرفع بصره إلى المطلب الأسمى، والمقصد الأسنى، ويريه كوكب الأمل لماعا، وشعاع الرجاء وضاء. ويشعل في نفسه همة لا تقنع بما دون النجوم، وعزمة تمضي ثاقبة كالرجوم، ويشعره لذة الصعاب ومتعة المشقات، وعزة الجهاد، وفرحة الظفر والاستيلاء على الأمد.