تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاجتهد أن تنفي عن نفسك أحاديث الهوى والجور، واحذر آثارها الخافية في النفس، وكن سليم الصدر، طاهر الخيال، عادل الفكر، طاهر المأرب، واذكر قول أبي العلاء:

الطاهر الآباء والأبناء والأ

ثواب والآراب والألاف

الأحد 20 ذي القعدة/3 سبتمبر

أبغض الإنسان وأحبه وأرثي له

أرى في الناس أشرارا لا يتورعون عن شر، ومفسدين لا يرعوون عن فساد، وأرى فيهم الفجرة الغدرة، والمنافقين المكرة. وأرى وجوها وقاحا، وألسنا بذيئة، وأيديا عادية. وأرى قسوة وظلما، وطمعا وجشعا، وحرصا وشحا. وأرى كذبا وزورا، وكبرا وغرورا. وأرى أشباه هذه من مآثم وجرائم، ومخازي ورذائل؛ فأبغض الإنسان وأحقد عليه وأزدريه .

ثم أنظر إلى أخيار بررة، يصلحون في الأرض ولا يفسدون، وأمناء حفظة، يرعون العهد ولا يغدرون، وإلى وجوه يحليها الحياء، وألسنة يصونها الأدب، وأيد تطهرها العفة. وأرى فضائل ومحامد، ومكارم ومآثر؛ فأحب الإنسان.

ثم أنظر إلى من أبغضت ومن عليه حقدت، فأرى بيئة فاسدة نشأتهم، وقوانين جائرة ربتهم، وأراهم حرموا الرعاية الصالحة، والقلوب الحانية، والأيدي الراحمة، والتعليم القويم؛ فأرثي للإنسان.

وأرى الإنسان في جهاد الطبيعة حرها وقرها، وطوفانها وعواصفها، وفي عناء من الكدح والكد، وبلاء من المرض في جسمه، والآفات في بهيمته وزرعه؛ فأرثي للإنسان.

إن الإنسان في حاجة إلى رعاية تنمي ما فيه من خير، وتبين عما في نفسه من صلاح، وتداوي ما به من شر، وتذود عنه ما يلقى من آفات.

إن الإنسان في حاجة إلى من يبغض إليه الشر ويحبب إليه الخير، ويرثي له مما يصيبه. وبين البغض والحب والرثاء يكون الإصلاح.

الإثنين 21 ذي القعدة/4 سبتمبر

وما أقرانها إلا الطعام

للإنسان مطالب جثمانية وأخرى روحانية، والسعيد من عادل بين مطالب الجسم والروح، فلم يخل بعضها ببعض.

يعمل لصحة جسمه وقوته ونشاطه لينيل الروح مقاصدها، وييسر لها مطالبها من العلم والفكر والرقي والسعي على الأرض بالحق والعدل وما إلى هذه المقاصد الخيرة.

فمن أخل بمطالب الروح أو نسيها ولم ير إلا مطالب جسمه، فهذا كما قال القرآن:

يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام . وفي الحديث النبوي: «إن المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء.» هذا يأكل ليقيم أوده فيؤدي في هذه الحياة عمله، وهذا يأكل وليس له هم إلا لذة الأكل وما يتصل بها.

وإذا لم يكن للروح على الجسم سلطان ولا لها في أعماله هداية، تمكنت البهيمية فغلا الإنسان في متعة جسمه. وفي هذا الغلو حتفه، فهو يأكل ما يلذ حتى لا يجد مساغا لطعام، وحتى تأخذه الكظة فيعالج جسمه حتى يفيق من تخمته، فيعاود لذة الطعام، وهكذا دواليك بين لذة الطعام وألمه، وانتظار المآكل، وانتظار الإفاقة منها.

وهذا المرض العارض بعد كل وجبة، ينشئ مرضا دائما يفيت لذة الطعام، وربما يفضي إلى الحمام. فبعض الناس في حرب من طعامه وشرابه، حتى يهوي قتيل شرهه في معترك فيه الأسنان سيف وسنان.

ورحم الله أبا الطيب، يقول في بعض أهل زمانه:

بأجسام يحر الطعن فيها

وما أقرانها إلا الطعام

الثلاثاء 22 ذي القعدة/5 سبتمبر

التقويم

نظرت في تاريخ اليوم بين الحساب القمري والحساب الشمسي ووجدته أول أيام النسيء بالتوقيت الشمسي المصري، فجال فكري في تقويم الأمم على اختلاف أزمانها وأوطانها واتفاقها واختلافها في التقويم والتوقيت. ثم ضيقت هذا المجال الواسع الذي لا قبل لي به إلى هذه المسألة الواحدة: الحساب القمري والحساب الشمسي أيهما أقرب إلى الناس وأيهما أسبق في التاريخ؟

قلت: التوقيت القمري كان أظهر وأيسر على الأمم قبل أن توغل في علم الهيئة وحساب الفلك، فالقمر يتغير كل يوم حتى يغيب بعد ثمانية وعشرين يوما، ثم يظهر جديدا بعد يوم أو يومين، فهو لا محالة أقرب إلى الإدراك، وأيسر في الحسبان. ومن أجل هذا لم يختلف الناس في حساب الشهور القمرية ما اختلفوا في تقسيم الشهور الشمسية. ولكن حساب السنة بالشمس أبين وأيسر من حسابها بالقمر، فتغير الفصول فيها واضح، وصلتها بالمقاييس أبين من السنة القمرية. وأداني إلى النظر فيما هو أقرب إلى الإدراك وأبعد، إلى التفكير في اليوم الزوالي واليوم الغروبي، فقلت: إن حساب اليوم بغروب الشمس أقرب الطبيعة، وأدنى إلى الحسبان، فالناس يرون غروب الشمس فاصلا بين ليل ونهار ولا يدركون اليوم الذي يبتدئ بزوال الشمس إلا بحساب ورصد. فالتوقيت بالغروب - ولا يزال شائعا في بعض البلاد - أقرب إلى الطبيعة وأيسر، فكل إنسان يستطيع أن يبصر الغروب ولكنه لا يدرك الزوال إلا بنظر وقياس، ولولا أن بلغ الناس في التوقيت مدى بعيدا، وعرفوا في الزوال أمدا محدودا، ما جاوزوا الطبيعة فجعلوا نصف الليل أول الصباح ونصف النهار أول العشي ومدوا العشي إلى نصف الليل فخلطوا بين الليل والنهار، وصار عدد الساعات لا يدل على ما مضى من الليل الطبيعي أو النهار الطبيعي.

الشوارد · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٥٤