الأربعاء 23 ذي القعدة/6 سبتمبر
أثرة وإيثار
في الناس أثر همه نفسه، لا يبالي غيره. ونفسه التي تهمه ضيقة الحدود، صغيرة الهمة، فهي مطامعه ومآربه، وشهواته أو أهواؤه. كل ما أدى إلى هؤلاء يحبه ويحرص عليه ويشح به.
وفي الناس من تتسع نفسه، وتبعد همته فيرتقي إلى رعاية القوانين ومراعاة الآخرين. فهو ينظر إلى نفسه وإلى غيره، يأخذ بالحق ويدع بالحق، ما كان له استأثر به، وما كان لغيره آثره به، فهو عادل بين نفسه وبين الناس، يأخذ ويعطي بالقسطاس. ونعم الإنسان هذا، ونعم خادم الجماعة هو!
وفي الناس من يعلو مستوى العدل إلى مستوى الفضل، فيحرم نفسه ما تستحق أحيانا ويعطي غيره ما لا يستحق أحيانا. تسمو نفسه وتعلو همته إلى درجة الإيثار كما وصف القرآن الكريم الأنصار فقال:
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .
هذه درجة لا يكلفها أحد، ولا يتطوع لها إلا القليل. وهي ربيبة الأسرة، وغذية الأبوة والأمومة، والبنوة والأخوة، تشيع في الأسر الصالحة، ويرضعها أولادها، فينشئون عليها، ويعملون بها في الأسرة الكبرى؛ الأمة.
تلكم درجة فوق الحق والعدل، تبلغها النفس العظيمة حين تشعر أنها أقدر على احتمال الضر وأصبر عليه، وأكثر استغناء عما يفتقر إليه الناس، وأعظم إدراكا للفضائل العالية، فهي تعد نفسها أحق بها، وأهلا للخير والجمال وأبصر بهما.
الخميس 24 ذي القعدة/7 سبتمبر
تقلب الأيام من أوراقها
يقول شاعر الترك الأكبر عبد الحق حامد:
ويسرع هذا الزمان المرور
إلى أن أرى أنه لا يمر
5
يعني أن الأيام تتوالى سراعا فيذكر الإنسان حدثا قريبا يخيل إليه أنه لم يمض بعده أيام، ثم ينظر فإذا أيام كثيرة مضت! أو يعزم على أمر ليفعله سريعا، ويتوهم أنه عند عزمه، ثم يتبين أن أياما عدة أسرعت قبل إنجاز ما عزم عليه. والبيت يوحي بصورة من يأخذ في يده جسما يديره مسرعا فيراه رأي العين ثابتا لا يتحرك.
ورأيت أن أحدنا يحمل مذكرة يسجل فيها ما وقع في يومه أو ما يريد أن يفعله في حينه، وينظر فإذا يوم مضى لم يسجل فيه حادثاته، وإذا آخر مر دون أن يفعل ما سجله له، فقلت:
تقلب الأيام من أوراقها
أسرع من تقليبنا أوراقنا
وهذا كلام يثبت على التجريب، ويتضح بالتأمل. ولكن تأمل في هذه الكلمة:
لا أذكر ما قال الفلاسفة القدماء والمحدثون في الزمان ما هو وكيف يمضي أو لا يمضي، ولكن أمرا واحدا يتبين لي: هو أن الإنسان إن نظر إلى جزئيات الحوادث وخضع لها، رأى نفسه كالذي يقوم في مجرى النهر تصدمه موجة بعد موجة، أو يقوم في طريق تزحمه السابلة يدفعه سائر بعد آخر. ولكنه إن نظر إلى القوانين العامة واستعلى على الحادثات، رأى ظهورا ما يسميه الناس مرورا، ووجد نفسه على الساحل لا يأخذه تيار النهر ولا تصدمه أمواجه، يثبت ثبات الساحل ويبصر النهر لا يبالي مرور مائه ولا تسلسل موجه، ولكنه يرى الحقيقة الثابتة التي وراء هذا التغير والمسير.
الجمعة 25 ذي القعدة/8 سبتمبر
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
إنسان يفعل الخير حبا وجذلا، ويحسن إلى الناس تطوعا وتفضلا، مغرم بالمكارم فيها لذته، وإليها طمأنينته، طموح إلى المعالي فيها سعادته، وبها سكينته، محلق يكره الإسفاف، وجليل ينفر من السفساف، ينفر عن الشر وكل قبيح، ويعاف الدنية وكل منكر، ويولع بكل جميل طاهر، كالنحلة تأخذ من كل زهرة ثم تخرج شهدها.
وآخر كلف بالشر، مغرم بالمخازي، ترفعه فيهوي، وتحلق به فيسف. كلما رفعت إلى المعالي مناه، أخلد إلى الأرض واتبع هواه.
هذا تعب لخير الناس، مرزأ في سبيل الله، يجود بماله ونفسه لقومه ووطنه، وهو على كل مخوف مقدم، يمضي قدما غير محجم. وذاك يغتنم الفرصة لسرقة المال، حين تهيب أمته بالرجال، فيشتري لها سلاحا ليغنم، ويغشها في حومة الوغى ليربح، وإنه والله للخسار كل الخسار، والعار لا يدانيه عار، ولا يمحوه تقلب الليل والنهار، وكر الإعصار بعد الإعصار.